قال أبو حيان: و {إِنْ} هنا هي: النافية بمعنى ما، و {هُمْ} مرفوع بالابتداء، و {إِلَّا يَظُنُّونَ} في موضع الخبر وهو من الاستثناء المفرَّغ، وإذا كانت إن نافية فدخلت على المبتدأ والخبر لم تعمل عمل ما الحجازيّة؛ لانتقاض نفيها هنا بإلا الاستثنائيّة، ومن أجاز شَرَطَ نَفْيَ الخبرِ وتأخيرَهُ، والصحيح أنّه لا يجوز إعمالها؛ لأنّه لم يحفظ من ذلك إلا بيتٌ نادرٌ، وهو قوله:
إنْ هُو مُسْتَوْلِيًا عَلَى أحدِ ... إلّا عَلَى أضْعَفِ المَجَانِين
وأتى بالخبر فعلًا مضارعًا ولم يأت باسم الفاعل؛ لأنّه يدلُّ على حدوث الظنّ وتجدده لهم شيئًا فشيئًا، فليسوا ثابتين على ظنّ واحد، بل يتجدَّد لهم ظنونٌ دالةٌ على اضطراب عقائدهم، واختلاف أهوائهم.
وفي هذه الآية: دليلٌ على أن المعارف كسبيَّةٌ، وعلى بطلان التقليد، وعلى أنّ المغترَّ بإضلال المُضِلّ مذمومٌ، وعلى أنَّ الاكتفاء بالظنّ في الأصول غير جائز، وعلى أنَّ القول بغير دليل باطلٌ، وعلى أنَّ ما تساوى وجوده وعدمه لا يجوز المصير إلى أحدهما إلّا بدليل سمعيّ، وتمسَّك بها أيضًا منكروا القياس وخبر الواحد؛ لأنَّهما لا يفيدان العلم. ثُمَّ ذكر الله سبحانه وتعالى، جريمة هؤلاء الرؤساء المُضلين الذين أضلُّوا العوامَّ،