وبيَّنه لكم، ليخاصموكم ويحتجّوا عليكم بإخباركم، فيقولوا لكم: قد أقررتم أنّه نبيٌّ حقٌّ في كتابكم، فلم لا تتبعونه، وذلك: أنَّ اليهود قالوا لأهل المدينة، حين مشاورتهم في اتّباع محمَّد - صلى الله عليه وسلم -: آمنوا به، فإنّه نبيّ حقّ، ثُمَّ لام بعضهم بعضًا، فقالوا: أتحدِّثونهم بما فتح الله عليكم، لتكون لهم الحجَّة عليكم، عند ربّكم في الدنيا والآخرة. والهمزة في قوله: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} للاستفهام التوبيخيّ العتابيّ، داخلةٌ على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألا تلاحظون فلا تعقلون الخطأ الفاحش، وهو أنَّ ذلك حجّة لهم عليكم، فالمنكَر عدم التعقُّل ابتداءً، أو تفعلون ذلك فلا تعقلون بطلانه مع وضوحه، حتى تحتاجون إلى التنبيه عليه، فالمُنْكر حينئذٍ عدم التعقّل بعد الفعل.
قال أبو حيان: قوله: {بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ} {مَا} موصولة، والضمير العائد عليها محذوف، تقديره: بما فتحه الله عليكم، وقد جوَّزوا في {مَا} : أن تكون نكرةً موصوفة، وأن تكون مصدريَّة؛ أي: بفتح الله عليكم، والوجه الأوَّل هو الأولى، والذي تحدثوا به هو ما تكلَّم به جماعةٌ من اليهود من صفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قاله أبو العالية وقتادة، أو عُذِّب به أسلافهم، قاله: السدّيُّ، وقال مجاهد: إنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال لبني قريظة:"يا إخوة الخنازير والقردة"، فقال الأحبار لأتباعهم: ما عُرِفَ هذا إلّا عندكم.