الحمار يحمل أسفاراً [الجمعة: 5] ونظيره أن يقول الأستاذ للمتعلم البليد الذي لا ينجع فيه تعليمه: كن حماراً . واحتج بأن الإنسان هو هذا الهيكل المحسوس ، فإذا أبطله وخلق مكانه تركيب القرد رجع حاصل المسخ إلى إعدام الأعراض التي باعتبارها كان ذلك الجسم إنساناً ، وإيجاد أعراض أخر باعتبارها صار قرداً . وأيضاً لو جوزنا ذلك لم نأمن فِي كل ما نراه قرداً وكلباً أنه كان إنساناً عاقلاً وذلك شك فِي المشاهدات . وأجيب بأن الإنسان ليس هذا الهيكل لتبدله بالسمن والهزال فهو أمر وراء ذلك ، إما جسماني سار فِي جميع البدن ، أو جزء فِي جانب من البدن كقلب أو دماغ ، أو مجرد كما يقوله الفلاسفة . وعلى التقادير فلا امتناع فِي بقاء ذلك الشيء مع تطرق التغير إلى هذا الهيكل وهذا هو المسخ ، وبهذا التأويل يجوز فِي الملك الذي تكون جثته فِي غاية العظم أن يدخل حجرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولأنه لم يتغير منهم إلا الخلقة والصورة والعقل ، والفهم باقٍ فإنهم يعرفون ما نالهم بشؤم المعصية من تغير الخلقة وتشوّه الصورة وعدم القدرة على النطق وسائر الخواص الإنسانية ، فيتألمون بذلك ويتعذبون ، ثم أولئك القرود بقوا أو أفناهم الله ، وإن بقوا فهذه القرود التي فِي زماننا من نسلهم أم لا ، الكل جائز عقلاً إلا أن الرواية عن ابن عباس أنهم ما مكثوا إلا ثلاثة أيام ثم هلكوا {فجعلناها} أي المسخة أو القردة أو قرية أصحاب السبت أو هذه الأمة {نكالاً} عقوبة شديدة رادعة عن الإقدام على المعصية .