والمذابح: جمع مذبح ، وهو إذا جاء السيل فخَدَّ فِي الأرض ، فما كان كالشبر ونحوه سمي مذبحاً.
فكان فرعون يَذْبح الأطفال ويُبقي البنات ، وعبّر عنهم باسم النساء بالمآل.
وقالت طائفة:"يذبِّحون أبناءكم"يعني الرجال ، وسُمُّوا أبناء لما كانوا كذلك ؛ واستدل هذا القائل بقوله:"نِساءكم".
والأوّل أصح ؛ لأنه الأظهر ، والله أعلم.
الحادية عشرة: نسب الله تعالى الفعل إلى آل فرعون ؛ وهم إنما كانوا يفعلون بأمره وسلطانه ؛ لتولّيهم ذلك بأنفسهم ؛ وليعلم أن المباشر مأخوذ بفعله.
قال الطبريّ: ويقتضي أن من أمره ظالم بقتل أحد فقتله المأمور فهو المأخوذ به.
قلت: وقد اختلف العلماء فِي هذه المسألة على ثلاثة أقوال: يُقتلان جميعاً ، هذا بأمره والمأمور بمباشرته.
هكذا قال النّخعِيّ ؛ وقاله الشافعيّ ومالك فِي تفصيل لهما.
قال الشافعي: إذا أمر السلطان رجلا بقتل رجل والمأمور يعلم أنه أمر بقتله ظُلماً كان عليه وعلى الإمام القَوَد كقاتَلْين معاً ، وإن أكرهه الإمام عليه وعلم أنه يقتله ظلما كان على الإمام القَوَد.
وفي المأمور قولان: أحدهما: أن عليه القَوَد.
والآخر لا قَوَد عليه وعليه نصف الدِّيَة ؛ حكاه ابن المنذر.
وقال علماؤنا: لا يخلو المأمور أن يكون ممن تلزمه طاعة الآمر ويخاف شره كالسلطان والسيد لعبده ، فالقَوَد فِي ذلك لازم لهما ؛ أو يكون ممن لا يلزمه ذلك فيُقتَل المباشرُ وحده دون الآمر ؛ وذلك كالأب يأمر ولده ، أو المعلّم بعضَ صبيانه ، أو الصانع بعضَ متعلّميه إذا كان مُحْتَلِماً ؛ فإن كان غير محتلم فالقتل على الآمر ، وعلى عاقلة الصبيّ نصف الدية.
وقال ابن نافع: لا يقتل السيد إذا أمر عبده وإن كان أعجمِياًّ بقتل إنسان.
قال ابن حبيب: وبقول ابن القاسم أقول إن القتل عليهما.
فأما أمر من لا خوف على المأمور فِي مخالفته فإنه لا يلحق بالإكراه بل يُقتل المأمور دون الآمر ، ويُضرب الآمر ويُحبس.