{خذوا} على إرادة القول أي وقلنا خذوا {ما آتيناكم} من الكتاب {بقوّة} بجد وعزيمة غير متكاسلين ولا متثاقلين وقيل: بقوة ربانية {واذكروا ما فيه} احفظوا ما فِي الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه ، وإنما لم يحمل على نفس الذكر لأن الذكر الذي هو ضد النسيان من فعل الله فكيف يجوز الأمر به؟ {لعلكم تتقون} رجاء منكم أن تكونوا متقين ، أو قلنا خذوا إرادة أن تتقوا {ثم توليتم} معطوف على محذوف أي فقبلتم والتزمتم ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به . ويمكن أن يقال أخذ الميثاق عبارة عن قبولهم فلا حاجة إلى تقدير {من بعد ذلك} أي من بعد القبول والالتزام . قال القفال: قد يعلم فِي الجملة أنهم بعد قبول التوراة ورفع الطور تولوا عن التوراة بأمور كثيرة ، فحرفوا التوراة وتركوا العمل به وقتلوا الأنبياء وكفروا بهم وعصوا أمرهم . ولعل فيها ما اختص به بعضهم دون بعض ، ومنها ما عمله أوائلهم ومنها ما فعله متأخروهم ولم يزالوا فِي التيه مع مشاهدتهم الأعاجيب ليلاً ونهاراً يخالفون موسى ويعترضون عليه ويلقونه بكل أذى ، ويجاهرون بالمعاصي فِي عسكره ، حتى لقد خسف ببعضهم وأحرقت النار بعضهم وعوقبوا بالطاعون ، وكل هذا مذكور فِي تراجم التوراة التي يقرأونها ، ثم فعل متأخروهم ما لا خفاء به حتى عوقبوا بتخريب بيت المقدس ، وكفروا بالمسيح وهموا بقتله ، فغير عجيب إنكارهم ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب ، وجحودهم لحقه صلى الله عليه وسلم وحالهم فِي كتابهم ونبيهم ما ذكر {فلولا فضل الله عليكم ورحمته} بإمهالكم وتأخير العذاب عنكم {لكنتم من الخاسرين} أي من الهالكين الذين باعوا أنفسهم بنار جهنم ، ولكنكم خرجتم من هذا الخسران لأن الله تعالى تفضل عليكم بالإمهال حتى تبتم . فإن كلمة"لولا"تدل على امتناع الثاني لوجود الأول ، فامتنع الخسران لوجود فضل الله . ويحتمل أن يكون الخبر قد انتهى عند قوله ثم توليتم من بعد