فأنت ترى أن الرازي - رحمه الله - أجاز القولين، ثم عاد إلى إثارة شبهة أخرى هي (أنه بعد أن يصير(اليهودي المعتدي) قردا، لا يبقى له فهم ولا عقل ولا علم، فلا يعلم ما نزل به من العذاب، ومجرد القردية غير مؤلم، لأن القرود حال سلامتها غير متألمة، فمن أين يحصل العذاب بسببه؟!
وأجاب بقوله:"ولم لا يجوز أن يقال إن الأمر الذي بسببه يكون الإنسان عاقلا فاهما ظل باقيا، إلا أنه لما تغيرت الخلقة والصورة، لا جرم أنها كانت تعرف ما نالها من تغير الخلقة بسبب شؤم المعصبة، وكانت في نهاية الخوف والخجالة .. ولا يلزم من عدم تألم القرود الأصلية بتلك الصورة عدم تألم الإنسان بتلك الصورة الغريبة القردية"! ?.
ونضيف إلى قول الفخر الرازي رحمه الله قولنا: إن العقاب لا يتحقق ولا يتم المقصود منه إلا ببقاء الغرائز والمشاعر والأحاسيس التي بها يعاني هؤلاء الممسوخون آلام عذاب المسخ.
6 -رأي ابن كثير:
ذكر ابن كثير رأي مجاهد، ووصف إسناد هذا الرأي إلى مجاهد بأنه إسناد جيد، ثم وصف رأي مجاهد بأنه قول خلاف الظاهر من السياق في هذا المقام وفي غيره، واستشهد ببعض الآيات الأخرى الواردة في مسخ بني إسرائيل، ثم ذكر رأي (العوفي) في تفسيره من أن الشباب صاروا قردة، وأن الشيوخ صاروا خنازير، وذكر رأي قتادة من أن القوم قد صاروا قردة تتعاوى، ولها أذناب، وروى ابن كثير أن الذين نهوهم كانوا يدخلون عليهم فيقولون: يا فلان ألم ننهكم؟ فيقولون برؤوسهم: أي بلى، وذكر رواية الضحاك عن ابن عباس وهي: مسخهم الله قردة بمعصيتهم، ثم قال ابن عباس: (ولم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب، ولم ينسل"."
وبعد ذكر العديد من الروايات المؤيدة للمسخ عن أئمة التفسير بين ابن كثير أن الغرض من ذكرها هو بيان خلاف ما ذهب إليه مجاهد رحمه الله من أن المسخ كان معنويا لا صوريا، والصحيح أنه معنوي صوري والله أعلم.! ?.
7 -رأي القاسمي:
نقل القاسمي آراء سابقيه من المفسرين، ثم ارتضى هذا الرأي وهو:"والمسخ بالحقيقة حق غير منكر في الدنيا والآخرة .. وردت به الآيات والأحاديث، وفي أثر: عدد المسوخ ثلاثة عشر، وبيَّن أعمالهم ومعاصيهم وموجبات مسخهم."