وقوله: {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} يحتمل أن تكون الإشارة فيه إلى نفس المشار إليه بذلك الأولى فيكون تكريراً للإشارة لزيادة تمييز المشار إليه حرصاً على معرفته، ويكون العصيان والاعتداء سببين آخرين لضرب الذلة والمسكنة ولغضب الله تعالى عليهم، والآية حينئذ من قبيل التكرير وهو مغن عن العطف مثل قوله تعالى: {أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} [الأعراف: 179] .
ويجوز أن يكون المشار إليه بذلك الثاني هو الكفر بآيات الله وقتلهم النبيئين فيكون (ذلك) إشارة إلى سبب ضرب الذلة إلخ فما بعد كلمة (ذلك) هو سبب السبب تنبيهاً على أن إدمان العاصي يفضي إلى التغلغل فيها والتنقل من أصغرها إلى أكبرها.
والباء على الوجهين سببية على أصل معناها.
ولا حاجة إلى جعل إحدى الباءين بمعنى مع على تقدير جعل اسم الإشارة الثاني تكريراً للأول أخذاً من كلام"الكشاف"الذي احتفل به الطيبي فأطال فِي تقريره وتفنين توجيهه فإن فيه من التكلف ما ينبو عنه نظم القرآن.
وكان الذي دعا إلى فرض هذا الوجه هوخلو الكلام عن عاطف يعطف {بما عصوا} على {بأنهم كانوا يكفرون} إذا كانت الإشارة لمجرد التكرير.
ولقد نبهناك آنفاً إلى دفع هذا بأن التكرير يغني غناء العطف. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 1 صـ 503 - 514}