هذا، وقد رجح ابن جرير تفسير (الأمانى) بالأكاذيب فقال: ما ملخصه «وأولى ما روينا في تأويل قوله تعالى: إِلَّا أَمانِيَّ بالصواب، أن هؤلاء الأميين لا يفقهون من الكتاب الذي أنزله الله على موسى شيئا، ولكنهم يتخرصون الكذب، ويتقولون الأباطيل كذبا وزورا، والتمني في هذا الموضع هو تخلق الكذب وتخرصه وافتعاله بدليل قوله تعالى بعد وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ فأخبر عنهم أنهم يتمنون ما يتمنون من الأكاذيب ظنا منهم لا يقينا» .
والذي نراه أن المعاني الثلاثة للأمانى تنطبق على اليهود، وكلها حصلت منهم وما دام
يصدق عليهم المعاني الثلاثة لغة فجميعها مرادة من الآية، ولا معنى لأن نشتغل بترجيح بعضها على بعض كما فعل ابن جرير وغيره.
وعلى أي تفسير من هذه التفاسير للأمانى، فالاستثناء منقطع، لأن أي واحد من هذه المعاني ليس من علم الكتاب الحقيقي في شيء .
وفي قوله تعالى: وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ زيادة تجهيل لهم، لأن أمنياتهم هذه من باب الأوهام التي لا تستند إلى دليل أو شبه دليل، أو من باب الظن الذي هو ركون النفس إلى وجه من وجهين يحتملهما الأمر دون أن تبلغ في ذلك مرتبة القطع واليقين. وهذا النوع من العلم لا يكفى في معرفة أصول الدين التي يقوم عليها الإيمان العميق، فهم ليسوا على علم يقيني من أمور دينهم، وإنما هم يظنونها ظنا بدون استيقان، والظن لا يغنى من الحق شيئا.
وبعد أن بين القرآن الكريم فرق اليهود، توعد الذين يحرفون الكلم عن مواضعه بسوء المصير فقال تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا، فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ: