أَمَرَهُمْ بِالذِّكْرِ الَّذِي يَثْبُتُ بِالْعَمَلِ ، وَوَصَلَهُ بِذِكْرِ فَائِدَتِهِ وَهِيَ إِعْدَادُهُ النَّفْسَ لِتَقْوَى اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ، فَقَالَ: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ، فَإِنَّ الْمُوَاظَبَةَ عَلَى الْعَمَلِ بِمَا يُرْشِدُ إِلَيْهِ الْكِتَابُ تَطْبَعُ فِي النَّفْسِ مَلَكَةَ مُرَاقَبَةِ اللهِ - تَعَالَى - فَتَكُونُ بِهَا نَقِيَّةً تَقِيَّةً ، رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) (20: 132) .
وَبَعْدَ أَنْ ذَكَرَ لَهُمْ تِلْكَ الْآيَةَ ، وَمَا اتَّصَلَ بِهَا مِنَ الْهِدَايَةِ ، ذَكَّرَهُمْ بِمَا كَانَ مِنْهُمْ مِنَ التَّوَلِّي عَنِ الطَّاعَةِ وَالْإِعْرَاضِ عَنِ الْقَبُولِ ، ثُمَّ امْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِمَا عَامَلَهُمْ بِهِ مِنَ الْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ ، وَالصَّفْحِ عَمَّا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الْمُؤَاخَذَةِ وَالْعُقُوبَةِ ، فَقَالَ: (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) أَيْ ثُمَّ أَعْرَضْتُمْ وَانْصَرَفْتُمْ عَنِ الطَّاعَةِ مِنْ بَعْدِ أَخْذِ الْمِيثَاقِ وَمُشَاهَدَةِ الْآيَاتِ الَّتِي تُؤَثِّرُ فِي الْقُلُوبِ ، وَتَسْتَكِينُ لَهَا النُّفُوسُ (فَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) أَيْ إِنَّكُمْ بِتَوَلِّيكُمُ اسْتَحْقَقْتُمُ الْعِقَابَ ، وَلَكِنْ حَالَ دُونَ نُزُولِهِ بِكُمْ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ بِكُمْ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَخَسِرْتُمْ
سَعَادَةَ الدُّنْيَا ، وَهِيَ التَّمَكُّنُ فِي الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ الَّتِي تَفِيضُ لَبَنًا وَعَسَلًا ، ثُمَّ خَسِرْتُمْ سَعَادَةَ الْآخِرَةِ وَهِيَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا . فَمِنْ فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ أَنْ وَفَّقَكُمْ لِلْعَمَلِ بِالْمِيثَاقِ بَعْدَ ذَلِكَ .