فصل
قال الفخر:
أما قوله تعالى: {لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا} فقال القفال: الأصل فِي جزى هذا عند أهل اللغة قضي ومنه الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بردة بن يسار:"تجزيك ولا تجزي أحداً بعدك"، هكذا يرويه أهل العربية:"تجزيك"بفتح التاء غير مهموز أي تقضي عن أضحيتك وتنوب، ومعنى الآية أن يوم القيامة لا تنوب نفس عن نفس شيئاً ولا تحمل عنها شيئاً مما أصابها، بل يفر المرء فيه من أخيه وأمه وأبيه ومعنى هذه النيابة أن طاعة المطيع لا تقضي على العاصي ما كان واجباً عليه.
وقد تقع هذه النيابة فِي الدنيا كالرجل يقضي عن قريبه وصديقه دينه ويتحمل عنه، فأما يوم القيامة فإن قضاء الحقوق إنما يقع فيه من الحسنات.
روى أبو هريرة قال: قال عليه السلام:"رحم الله عبداً كان عنده لأخيه مظلمة فِي عرض أو مال أو جاه فاستحله قبل أن يؤخذ منه وليس ثم دينار ولا درهم فإن كانت له حسنات أخذ من حسناته وإن لم يكن له حسنات حمل من سيئاته".
قال صاحب الكشاف: و (شيئاً) مفعول به ويجوز أن يكون فِي موضع مصدر أي قليلاً من الجزاء كقوله تعالى: {وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً} [مريم: 60] .
ومن قرأ:"لا يجزي"من أجزأ عنه إذا أغنى عنه فلا يكون فِي قراءته إلا بمعنى شيئاً من الإجزاء وهذه الجملة منصوبة المحل صفة ليوماً.
فإن قيل: فأين العائد منها إلى الموصوف؟ قلنا: هو محذوف تقديره لا تجزي فيه ومعنى التنكير أن نفساً من الأنفس لا تجزي عن نفس غيرها شيئاً من الأشياء وهو الإقناط الكلي القطاع للمطامع.
أما قوله تعالى: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شفاعة} فالشفاعة أن يستوهب أحد لأحد شيئاً ويطلب له حاجة وأصلها من الشفع الذي هو ضد الوتر، كأن صاحب الحاجة كان فرداً فصار الشفيع له شفعاً أي صارا زوجاً.