وأجابوا بأن الكلام فِي غيرها لو أمروا به كالكلام فيه، ثم ذكروا فيها فوائد، منها التقرب بالقربان الذي كانت العادة به جارية ولأن هذا القربان كان عندهم من أعظم القرابين ولما فيه من مزيد الثواب لتحمل الكلفة فِي تحصيل هذه البقرة على غلاء ثمنها، ولما فيه من حصول المال العظيم لمالك البقرة. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 3 صـ 115}
فصل
قال الفخر:
اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ الَّذِي ضَرَبُوا الْقَتِيلَ بِهِ مَا هُوَ؟
وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُمْ كَانُوا مُخَيَّرِينَ فِي أَبْعَاضِ الْبَقَرَةِ لِأَنَّهُمْ أُمِرُوا بِضَرْبِ الْقَتِيلِ بِبَعْضِ الْبَقَرَةِ وَأَيُّ بَعْضٍ مِنْ أَبِعَاضِ الْبَقَرَةِ ضَرَبُوا الْقَتِيلَ بِهِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُمْتَثِلِينَ لِمُقْتَضَى قَوْلِهِ: (اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها
وَالْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ يَدُلُّ عَلَى الْخُرُوجِ عَنِ الْعُهْدَةِ عَلَى مَا ثَبَتَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي التَّخْيِيرَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْبَعْضِ الَّذِي ضُرِبَ بِهِ الْقَتِيلُ فَقِيلَ: لِسَانُهَا وَقِيلَ: فَخْذُهَا الْيُمْنَى وَقِيلَ: ذَنَبُهَا وَقِيلَ: الْعَظْمُ الَّذِي يَلِي الْغُضْرُوفَ وَهُوَ أَصْلُ الْآذَانِ، وَقِيلَ: الْبِضْعَةُ بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإِنْ وَرَدَ خَبَرٌ صَحِيحٌ قُبِلَ وَإِلَّا وَجَبَ السُّكُوتُ عَنْهُ. (1) انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 3 صـ 115}
(1) يقول ابن القماش:
هذا أصل عظيم وضعه الإمام الفخر - رحمه الله فِي أمثال هذه الأمور، ولقد تميز به عن كثير من المفسرين ورد به كثيراً من الدسائس والمنكرات التي وضعها الزنادقة فِي كتب التفسير من أجل إفساد المعنى بعد أن عجزوا - وإلى يوم القيامة - عن إفساد اللفظ، ولكن الله قيض للقرآن من يدافع عنه إلى يوم القيامة، فهيهات لهم ثم هيهات أن يفلحوا، فليموتوا كمداً وغيظاً"قل موتوا بغيظكم"وقد ذكر بعض المفسرين اختلافات أخرى منها ما ذكره ابن عطية حـ 1 صـ 165، قال"فقيل اضربوه، وقيل اضربوا قبره، لأن ابن عباس ذكر أن أمر القتيل وقع قبل جواز البحر، وأنهم داموا فِي طلب البقرة أربعين سنة وقال القرطبي: لقد أمروا بطلبها وما هي فِي صلب ولا رحم بعد"انتهى كلام ابن عطية، وأنت ترى ما يشتمل عليه من أمور فِي غاية البعد، مما يجعلنا تنشكك فِي نسبتها إلى ابن عباس. اهـ