وذكر من تقديم الكلمات فِي القرآن والشعر على زعمه كثيراً، والتقديم والتأخير، ذكر أصحابنا أنه من الضرائر، فينبغي أن ينزه القرآن عنه.
ونسبة القتيل إلى جمع، إما لأن القاتلين جمع، وهم ورثة المقتول، وقد نقل أنهم اجتمعوا على قتله، أو لأن القاتل واحد، ونسب ذلك إليهم لوجود ذلك فيهم، على طريقة العرب فِي نسبة الأشياء إلى القبيلة، إذا وجد من بعضها ما يذم به أو يمدح.
{فادّارأتم فيها} قرأ الجمهور: بالإدغام وقرأ أبو حيوة؛ فتدارأتم، على وزن تفاعلتم، وهو الأصل، هكذا نقل بعض من جمع فِي التفسير.
وقال ابن عطية: قرأ أبو حيوة، وأبو السوار الغنوي: {وإذ قتلتم نفساً فادّرأتم} ، وقرأت فرقة: فتدارأتم على الأصل. انتهى كلامه.
ونقل من جمع فِي التفسير أن أبا السوار قرأ: فدرأتم، بغير ألف قبل الراء.
ويحتمل هذا التدارؤ، وهو التدافع، أن يكون حقيقة، وهو أن يدفع بعضهم بعضاً بالأيدي، لشدة الاختصام.
ويحتمل المجاز، بأن يكون بعضهم طرح قتله على بعض، فدفع المطروح عليه ذلك إلى الطارح، أو بأن دف بعضهم بعضاً بالتهمة والبراءة.
والضمير فِي: فيها عائد على النفس، وهو ظاهر، وقيل: على القتلة، فيعود على المصدر المفهوم من الفعل، وقيل: على التهمة، فيعود على ما دل عليه معنى الكلام.
{والله مخرج ما كنتم تكتمون} ، ما: منصوب باسم الفاعل، وهو موصول معهود، فلذلك أتى باسم الفاعل لأنه يدل على الثبوت، ولم يأت بالفعل الذي هو دال على التجدد والتكرار، ولا تكرار، إذ لا تجدد فيه، لأنها قصة واحدة معروفة، فلذلك، والله أعلم، لم يأت الفعل.
وجاء اسم الفاعل معملاً، ولم يضف، وإن كان من حيث المعنى ماضياً، لأنه حكى ما كان مستقبلاً وقت التدارؤ، وذلك مثل ما حكى الحال فِي قوله تعالى: {وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد} ودخلت كان هنا ليدل على تقدم الكتمان، والعائد على ما محذوف تقديره: ما كنتم تكتمونه.
والظاهر أن المعنى ما كنتم تكتمون من أمر القتيل وقاتله، وعلى هذا ذهب الجمهور.
وقيل: يجوز أن يكون عاماً فِي القتيل وغيره، فيكون القتيل من جملة أفراده، وفي ذلك نظر، إذ ليس كل ما كتموه عن الناس أظهره الله تعالى. انتهى انتهى. {البحر المحيط حـ 1 صـ 423 - 424}