فإن قيل: كيف قال: {لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ} ، وكان لهم المن والسلوى ؟ قيل: إن ذلك إشارة إلى مساواته فِي الأزمنة المختلفة ، كقولك فلان يفعل فعلاً واحداً فِي كل يوم وإن كثرت أفعاله إذا تحرى طريقة واحدة وداوم عليها ، والدعاء أعم من النداء ، فإن النداء يقال فيمن يكون بعيداً أو فِي حكم البعيد والدعاء فيه وفي القريب ، وقوله: {فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا} ذكر جواب الدعاء ، ولم يذكر المطلوب فِي الأول لكونه معلوما كقولك: قل لفلان يعطني كذا ، وتقديره: قل له أعطني يعطني ، والنبت والنبات يقال لما ينبت الله ولمصدر نبت ، وقد يقال ذلك لذوي الساق من الشجرة ، وأنبت الغلام إذا راهق على طريق الاستعارة ولنبات عانته ، والبقل مالا ينبت أصله ولا فرعه فِي الشتاء ، وأبقل المكان: صار ذا بقل وتبقلت تناولته وبقل وجهه استعارة ، والفوم: الزرع ، وقيل: الحنطة خاصة ، وقيل: الثوم ، والثاء والفاء يبدل أحدهما من الأخرى نحوه جدث ، وجدف ، ومغافير ، ومغاثير ، وأدنى أي أوضع ، ويعبر عن الوضيع بالدني ، والخير يقال على ضربين: أحدهما الخير المطلق وهو الشيء النافع الحسن الملذ وضده الشر المطلق وهو الضار القبيح المؤلم ، والثاني: الخير المفيد ، وهو ما يحصل فيه أحد الأوصاف الثلاثة ، فيصح أن يوصف بالخير مرة والشر مرة على نظرين مختلفين ، نحو أن يقال المال خير والمال شر ، ولأجل أن الخير المطلق هو ما جمع الأوصاف الثلاثة ،
وهي غاية ما يتحرى ويطلب ، قيل الخير: هو الذي يطلبه الكل ، والشر هو الذي يهرب منه الكل ، فإن ما جمع الحسن واللذة والنفع يرغب فيه الكل ، وما جمع منه أضداده الثلاثة يهرب منه الكل ، والمصر: اسم لكل بلد عظيم مجموع الأقطار والحدود ، وهو فِي الأصل اسم للمصور أي المضموم بالحدود نحو النقص والنكث للمنقوص والمنكوث ، وعبر عن الحد بالمصر فِي قول الشاعر:
وجاعل الشمس مصرا لإخفاء به ....