وتأوّلوا: هذا جبل يحبنا ونحبه ، أي يحبه أهله ونحب أهله ، كقوله تعالى: {واسئل القرية} واختيار ابن عطية ، رحمه الله تعالى ، أن الله يخلق للحجارة قدراً مّا من الإدراك ، تقع به الخشية والحركة.
واختيار الزمخشري أن الخشية مجاز عن الانقياد لأمر الله تعالى وعدم امتناعها ، وترتيب تقسيم هذه الحجارة ترتيب حسن جداً ، وهو على حسب الترقي.
فبدأ أولاً بالذي تتفجر منه الأنهار ، أي خلق ذا خروق متسعة ، فلم ينسب إليه فِي نفسه تفعل ولا فعل ، أي أنها خلقت ذات خروق بحيث لا يحتاج أن يضاف إليها صدور فعل منها.
ثم ترقى من هذا الحجر إلى الحجر الذي ينفعل انفعالاً يسيراً ، وهو أن يصدر منه تشقق بحيث ينبع منه الماء.
ثم ترقى من هذا الحجر إلى الحجر الذي ينفعل انفعالاً عظيماً ، بحيث يتحرك ويتدهده من علو إلى أسفل ، ثم رسخ هذا الانفعال التامّ بأن ذلك هو من خشية الله تعالى ، من طواعيته وانقياده لما أراد الله تعالى منه ، فكنى بالخشية عن الطواعية والانقياد ، لأن من خشي أطاع وانقاد.
{وما الله بغافل عما تعملون} : هذا فيه وعيد ، وذلك أنه لما قال: {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك} ، أفهم أنه ينشأ عن قسوة القلوب أفعال فاسدة وأعمال قبيحة ، من مخالفة الله تعالى ، ومعاندة رسله ، فأعقب ذلك بتهديدهم بأن الله تعالى ليس بغافل عن أعمالهم ، بل هو تعالى يحصيها عليهم ، وإذا لم يفغل عنها كان مجازياً عليها.
والغفلة إن أريد بها السهو ، فالسهو لا يجوز على الله تعالى ، وإن أريد بها الترك عن عمد ، فذكروا أنه مما يجوز أن يوصف الله تعالى به.
وعلى كلا التقديرين ، فنفى الله تعالى الغفلة عنه.
وانتفاء الشيء عن الشيء قد يكون لكونه لا يمكن منه عقلاً ، ولكونه لا يقع منه مع إمكانه.