وقد ذهب القاضي إلى أنه لا يصح أن يوصف الله تعالى بأنه ليس بغافل ، قال: لأنه يوهم جواز الغفلة عليه ، وليس الأمر كما ذهب إليه ، لأن نفي الشيء عن الشيء لا يستلزم إمكانه.
ألا ترى إلى قوله تعالى: {لا تأخذه سنة ولا نوم} وقوله: {وهو يطعم ولا يطعم} فقد نفى عنه تعالى ما لا يستلزم إمكانه له.
وبغافل: فِي موضع نصب ، على أن تكون ما حجازية.
ويجوز أن تكون فِي موضع رفع ، على أن تكون ما تميمية ، فدخلت الباء فِي خبر المبتدأ ، وسوّغ ذلك النفي.
ألا ترى أنها لا تدخل فِي الموجب ؟ لا تقول: زيد بقائم ، ولا: ما زيد إلا بقائم.
قال ابن عطية: وبغافل فِي موضع نصب خبر ما ، لأنها الحجازية ، يقوي ذلك دخول الباء فِي الخبر ، وإن كانت الباء قد تجيء شاذة مع التميمية.
انتهى كلامه.
وهذا الذي ذهب إليه أبو محمد بن عطية ، من أن الباء مع التميمية قد تجيء شاذة ، لم يذهب إليه نحوي فيما علمناه ، بل القائلون قائلان ، قائل: بأن التميمية لا تدخل الباء فِي خبر المبتدأ بعدها ، وهو مذهب أبي علي الفارسي فِي أحد قوليه ، وتبعه الزمخشري.
وقائل: بأنه يجوز أن يجر بالباء ، وهو الصحيح.
وقال الفرزدق:
لعمرك ما معن بتارك حقه ...
وأشعار بني تميم تتضمن جر الخبر بالباء كثيراً.
وقرأ الجمهور: تعملون بالتاء ، وهو الجاري على نسق قوله: {ثم قست قلوبكم} .
وقرأ ابن كثير بالياء ، فيحتمل أن يكون الخطاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويحتمل أن يكون الخطاب مع بني إسرائيل ، ويكون ذلك التفاتاً ، إذ خرج من الخطاب فِي قوله تعالى: {ثم قست قلوبكم} إلى الغيبة فِي قوله: {يعملون} .
وحكمة هذا الالتفات أنه أعرض عن مخاطبتهم ، وأبرزهم فِي صورة من لا يقبل عليهم بالخطاب ، وجعلهم كالغائبين عنه ، لأن مخاطبة الشخص ومواجهته بالكلام إقبال من المخاطب عليه ، وتأنيس له ، فقطع عنهم مواجهته لهم بالخطاب ، لكثرة ما صدر عنهم من المخالفات.