وذهب أبو مسلم إلى أن الخشية حقيقة ، وأن الضمير فِي قوله: {وإن منها لما يهبط من خشية الله} عائد على القلوب ، والمعنى: أن من القلوب قلوباً تطمئن وتسكن ، وترجع إلى الله تعالى ، فكنى بالهبوط عن هذا المعنى ، ويريد بذلك قلوب المخلصين.
وهذا تأويل بعيد جداً ، لأنه بدأ بقوله: {وإن من الحجارة} ، ثم قال: {وإن منها} ، فظاهر الكلام التقسيم للحجارة ، ولا يعدل عن الظاهر إلا بدليل واضح ، والهبوط لا يليق بالقلوب ، إنما يليق بالحجارة.
وليس تأويل الهبوط بأولى من تأويل الخشية إن تأوّلناها.
وقد أمكن فِي الوجوه التي تضمنت حملها على الحقيقة ، وإن كان بعض تلك الأقوال أقوى من بعض.
وذهب بعضهم إلى أن الذي يهبط من خشية الله هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام ، إذ جعله دكاً.
وذهب قوم إلى أن الخشية هنا مجاز من مجاز الاستعارة ، كما استعيرت الإرادة للجدار فِي قوله تعالى: {يريد أن ينقضّ} وكما قال زيد الخيل:
بجمع تضل البلق فِي حجراته ...
ترى الاكم منه سجداً للحوافر
وكما قال الآخر:
لما أتى خبر الزبير تضعضعت ...
سور المدينة والجبال الخشع
أي من رأى الحجر متردّياً من علوّ إلى أسفل ، تخيل فيه الخشية ، فاستعار الخشية ، كناية عن الانقياد لأمر الله ، وأنها لا تمتنع على ما يريد الله تعالى فيها.
فمن يراها يظنّ أن ذلك الانفعال السريع هو مخافة خشية الله تعالى.
وهذا قول من ذهب إلى أن الحياة والنطق لا يحلان فِي الجمادات ، وذلك ممتنع عندهم.
وتأوّلوا ما ورد فِي القرآن والحديث ، مما يدل على ذلك على أن الله تعالى قرن بها ملائكة ، هي التي تسلم وتتكلم ، كما ورد أن الرحم معلقة بالعرش ، تنادي: اللهم صِل من وصلني ، واقطع من قطعني.
والأرحام ليست بجسم ، ولا لها إدراك ، ويستحيل أن تسجد المعاني ، أو تتكلم ، وإنما قرن الله تعالى بها ملكاً يقول ذلك القول.