وفي ذلك إشارة إلى أن اعتياص قلوبهم ليس لعارض ، بل خلق ذلك فيها خلقاً أولياً ، كما أن صلابة الحجر كذلك.
والكاف المفيدة معنى التشبيه: حرف وفاقاً لسيبويه وجمهور النحويين ، خلافاً لمن ادّعى أنها تكون اسماً فِي الكلام ، وهو عن الأخفش.
فتعلقه هنا بمحذوف ، التقدير: فهي كائنة كالحجارة ، خلافاً لابن عصفور ، إذ زعم أن كاف التشبيه لا تتعلق بشيء ، ودلائل ذلك مذكورة فِي كتب النحو.
والألف واللام فِي الحجارة لتعريف الجنس.
وجمعت الحجارة ولم تفرد ، فيقال كالحجر ، فيكون أخصر ، إذ دلالة المفرد على الجنس كدلالة الجمع ، لأنه قوبل الجمع بالجمع ، لأن قلوبهم جمع ، فناسب مقابلته بالجمع ، ولأن قلوبهم متفاوتة فِي القسوة ، كما أن الحجارة متفاوتة فِي الصلابة.
فلو قيل: كالحجر ، لأفهم ذلك عدم التفاوت ، إذ يتوهم فيه من حيث الإفراد ذلك.
{أو أشدّ قسوة} ، أو: بمعنى الواو ، أو بمعنى أو للابهام ، أو للإباحة ، أو للشك ، أو للتخيير ، أو للتنويع ، أقوال: وذكر المفسرون مثلاً لهذه المعاني ، والأحسن القول الأخير.
وكأن قلوبهم على قسمين: قلوب كالحجارة قسوة ، وقلوب أشدّ قسوة من الحجارة ، فأجمل ذلك فِي قوله: {ثم قست قلوبكم} ، ثم فصل ونوع إلى مشبه بالحجارة ، وإلى أشدّ منها ، إذ ما كان أشدّ ، كان مشاركاً فِي مطلق القسوة ، ثم امتاز بالأشدية.
وانتصاب قسوة على التمييز ، وهو من حيث المعنى تقتضيه الكاف ويقتضيه أفعل التفضيل ، لأن كلاً منهما ينتصب عنه التمييز.
تقول: زيد كعمرو حلماً ، وهذا التمييز منتصب بعد أفعل التفضيل ، منقول من المبتدأ ، وهو نقل غريب ، فتؤخر هذا التمييز وتقيم ما كان مضافاً إليه مقامه.