وإما بأن يقتل من لم يعبدوا العجل عابديه، وكلام التوراة فِي هذا الغرض فِي غاية الإبهام وظاهره أن موسى أمره الله أن يأمر اللاويين الذين هم من سبط لاوي الذي منه موسى وهارون أن يقتلوا من عبد العجل بالسيف وأنهم فعلوا وقتلوا ثلاثة آلاف نفس ثم استشفع لهم موسى فغفر الله لهم أي فيكون حكم قتل أنفسهم منسوخاً بعد العمل به ويكون المعنى فليقتل بعضكم بعضاً، فالأنفس مراد بها الأشخاص كما فِي قوله تعالى: {فإذا دخلتهم بيوتاً فسلموا على أنفسكم} [النور: 61] أي فليسلم بعضكم على بعض وقوله: {وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم} [البقرة: 84] أي لا يسفك بعضكم دماء بعض وقوله عقبه: {ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم} [البقرة: 85] فالفاعل والمفعول متغايران.
ومن الناس من حمل الأمر بقتل النفس هنا على معنى القتل المجازي وهو التذليل والقهر على نحو قول امرئ القيس:"فِي أعشار قلب مقتَّل"وقوله: خمر مقتلة أو مقتولة، أي مذللة سورتها بالماء.
قال بجير بن زهير:
إن التي ناولْتَني فرددتُها ... قُتِلتْ قُتِلت فهاتها لم تُقتلِ
وفيه بعد عن اللفظ بل مخالفة لغرض الامتنان، لأن تذليل النفس وقهرها شريعة غير منسوخة.
والظلم هنا الجناية والمعصية على حد قوله: {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13] . انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 1 صـ 486 - 487}