فهرس الكتاب

الصفحة 870 من 915

(وأَخلفَ قُسًّا ليتني ولو أنَّني ... وأعيا على لقمانَ حُكْمُ التدبُّرِ)

وكان قس من أحسن الناس في زمانه موعظة، فإنه أقبل على جمل أحمر حتى وقف بسوق عكاظ، فقال: أيها الناس، اجتمعوا واسمعوا وعوا، أما بعد، فإنه من مات فات، وكل ما هو آت آت.

قال هشام: وقد قدم وفود العرب على رسول الله فقال (74) : هل فيكم أحد من إياد؟ قالوا: لا يا رسول الله، فقال: كأني أنظر إليه، يعني قسًا، بسوق عكاظ، على جمل له أحمر، يخطب الناس وهو يقول: يا أيها الناس، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت. أما بعد، فإن في السماء لخبرًا، وإن في الأرض لعبرًا. نجوم تمور، وبحار لا تغور. سقف مرفوع، ومهاد موضوع. أقسم قس بالله، لتطلُبُنَّ من الأمر شحطًا، ولئن كان بعض الأمر رضى، إنّ في بعضه لسخطًا؛ وما هذا بلعب فإن وراء هذا لعجبًا. أقسم قس بالله وما أَثِمَ، إنّ لله لدينًا 238 / أهو أرضى من دينٍ نحنُ عليه. ما بالُ الناسِ يذهبون فلا يرجعون، / أرضوا بالمقامة فأقاموا، أم تركوا فناموا؟ ثم أنشأ يقول:

(في الذاهبينَ الأوّلينَ ... من القرونِ لنا بصائرْ)

(لما رأيتُ مواردًا ... للموت ليس لها مصادِرْ)

(ورأيت قومي نَحْوَها ... تمشي الأَكابِرُ والأصاغِرْ)

(لا يرجعُ الماضي إليَْ ... ولا من الباقينَ غابِرْ)

(أيْقَنْتُ أنِّي لا محالةَ ... حيثُ صارَ القَوْمُ صائِرْ) (365)

وقال أيضًا:

(يا ناعِيَ الموتِ والأمواتُ في جَدَثٍ ... عليهم من بقايا بَزِّهم خِرَقُ)

(دعْهُم فإنّ لهم يومًا يُصاحُ بِهِم ... كما تَنَبَّه من نوماتِهِ الصَّعِقُ)

(حتى يجيئوا بحالٍ غير حالِهِمُ ... خَلْقٌ مضى ثم هذا بعد ذا خُلِقوا)

(منهم عُراةٌ وموتى في ثيابِهِم ... منها الجديدُ ومنها الأورق(75) الخَلَقُ)

(74) ينظر سيرة ابن هشام 1 / 11 وفيها الخطبة والشعر: وينظر: قس بن ساعدة 266.

(75) الأورق: الذي لونه بين السواد والغبرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت