بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) أَيْ جَعَلْنَا هَذِهِ الْعُقُوبَةَ نَكَالًا ، وَهُوَ مَا يُفْعَلُ بِشَخْصٍ مِنْ إِيذَاءٍ وَإِهَانَةٍ لِيَعْتَبِرَ غَيْرُهُ ؛ أَيْ عِبْرَةً يَنْكُلُ مَنْ يَعْلَمُ بِهَا أَيْ يَمْتَنِعُ عَنِ اعْتِدَاءِ الْحُدُودِ ، وَمِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ (النِّكْلُ) لِلْقَيْدِ ، أَوْ هُوَ أَصْلُهَا وَمِنْهَا النُّكُولُ عَنِ الْيَمِينِ فِي الشَّرْعِ وَهُوَ الِامْتِنَاعُ ، وَمَا بَيْنَ يَدَيْهَا يُرَادُ بِهِ مَنْ وَقَعَتْ فِي زَمَنِهِمْ كَمَا يُرَادُ بِمَا خَلْفَهَا مَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى مَا شَاءَ اللهُ - تَعَالَى .
وَأَمَّا كَوْنُهَا مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ، فَهُوَ أَنَّ الْمُتَّقِيَ يَتَّعِظُ بِهَا فِي نَفْسِهِ بِالتَّبَاعُدِ عَنِ الْحُدُودِ الَّتِي يُخْشَى اعْتِدَاؤُهَا (تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا) (2: 187) وَيَعِظُ بِهَا غَيْرَهُ أَيْضًا ، وَلَا يَتِمُّ كَوْنُ تِلْكَ الْعُقُوبَةِ نَكَالًا لِلْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ، إِلَّا إِذَا كَانَتْ جَارِيَةً عَلَى السُّنَّةِ الْمُطَّرِدَةِ فِي تَرْبِيَةِ الْأُمَمِ وَتَهْذِيبِ الطِّبَاعِ ، وَذَلِكَ مَا هُوَ
مَعْرُوفٌ لِأَهْلِ الْبَصَائِرِ ، وَمَشْهُورٌ عِنْدَ عَرْفَاءِ الْأَوَائِلِ وَالْأَوَاخِرِ (وَحَدِيثُ الْمَسْخِ وَالتَّحْوِيلِ ، وَأَنَّ أُولَئِكَ قَدْ تَحَوَّلُوا مِنْ أُنَاسٍ إِلَى قِرَدَةٍ وَخَنَازِيرَ إِنَّمَا قُصِدَ بِهِ التَّهْوِيلُ وَالْإِغْرَابُ ؛ فَاخْتِيَارُ مَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ هُوَ الْأَوْفَقُ بِالْعِبْرَةِ وَالْأَجْدَرُ بِتَحْرِيكِ الْفِكْرَةِ) .