وقال القرطبي فِي تفسيره ، بعد أن حكى معنى هذا الكلام ، ورجح أن هاروت وماروت بدل من الشياطين ، ما لفظه: هذا أولى ما حملت عليه الآية ، وأصح ما قيل فيها ، ولا يلتفت إلى سواه ، فالسحر من استخراج الشياطين للطافة جوهرهم ، ودقة أفهامهم ، وأكثر ما يتعاطاه من الإنس النساء ، وخاصة فِي حال طمثهن ، قال الله: {وَمِن شَرّ النفاثات فِى العقد} [الفلق: 4] ثم قال: إن قيل كيف يكون اثنان بدلاً من جمع ، والبدل إنما يكون على حدّ المبدل ؟ ثم أجاب عن ذلك بأن الاثنين قد يطلق عليهما الجمع ، أو أنهما خُصا بالذكر دون غيرهما لتمردهما ، ويؤيد هذا أنه قرأ ابن عباس والضحاك والحسن:"الملكين"بكسر اللام ، ولعل وجه الجزم بهذا التأويل مع بعده ، وظهور تكلفه ، تنزيه الله سبحانه أن ينزل السحر إلى ارضه ، فتنة لعباده على ألسن ملائكته.
وعندي أنه لا موجب لهذا التعسف المخالف لما هو الظاهر ، فإن لله سبحانه أن يمتحن عباده بما شاء كما امتحن بنهر طالوت ، ولهذا يقول الملكان: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} قال ابن جرير: وذهب كثير من السلف إلى أنهما كانا ملكين من السماء ، وأنهما أنزلا إلى الأرض ، فكان من أمرهما ما كان ، وبابل قيل: هي العراق ، وقيل نهاوند ، وقيل نصيبين.
وقيل المغرب: وهاروت وماروت اسمان أعجميان لا ينصرفان.
وقوله: {وَمَا يُعَلّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حتى يَقُولاَ} قال الزجاج: تعليم إنذار من السحر لا تعليم دعاء إليه ، قال: وهو الذي عليه أكثر أهل اللغة والنظر ، ومعناه: أنهما يعلمان على النهي ، فيقولان لهم: لا تفعلوا كذا.
و"من"فِي قوله: {من أحد} زائدة للتوكيد ، وقد قيل: إن قوله: {يعلمان} من الإعلام لا من التعليم ، وقد جاء فِي كلام العرب تعلم بمعنى أعلم ، كما حكاه ابن الأنباري ، وابن الأعرابي ، وهو كثير من أشعارهم كقول كعب بن مالك: