وبين قوله {لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ} أن حق الإنسان أن يتحرى فِي إماتة شهوته وقت ما يزول عنه شره صباه ، فلا يكون كبكر ، ولم يلحقه حسوا لكبر ، فيكون كفارض ، ثم نبه بما ذكره من اللون أنه لا يحب أن يمنع النفس من إماتة شهوته كونها رائقة المنظر ، بل يجب أن يميتها أعجب ما تكون إليه ، ثم نبه بقوله: {لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ} أن النفس التي تحمل على تذليلها فِي العبادة هي النفس التي لم تستعبدها الدنيا ولم تتأثر بدنسها ، ولم تتوسم بمقابحها ، وطاهر الآية لا يقتضي ذلك ، لكن مثله إذا حكى ، فتصحيحه مفوض إلى فكرة قارئه ومتأملة ، والله أعلم..
قوله - عز وجل -:
{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}
الآية: (74) سورة البقرة.
قساً وحساً وعساً تتقارب معانيها - تقارب ألفاظها ، فالقساوة تقال فِي الصلب الذي لا تخلخل فيه كالحجر ونحوه ، وقيل: قلب قاس تشبيهاً به ، وعسا إذا كان هدى معه عصيان فهو يقارب عصى ، وحساً يقال فيما يتصلب ، والصلابة تقال فيما فِي جوهره شدة ، وأما الشدة فتقال فيما تعتبر فيه انضمام الأجزاء بعضها إلى بعض ، ومنه قيل: شددته ، وشد الشر الشيء واشتد ، وقيل للعد والشد ، كما يقال فيه القابض والتقريب والشدة تارة تقال فِي القوة الجسمية ، وتارة فِي القوة النفسية ، وقولهم:"بلغ فلأن"
أشده"، أي حاله استمر مرير نفسه وجسمه ، والنهر يقال لمسيل الماء الواسع ، وللماء جميعا ولتصور السعة."