وثالثها: قول أكثر المفسرين وهو أن الضمير عائد إلى الحجارة ، وأن الحجارة لا تعقل ولا تفهم ، وذكروا على هذا القول أنواعاً من التأويل.
الأول: أن من الحجارة ما يتردى من الموضع العالي الذي يكون فيه فينزل إلى أسفل وهؤلاء الكفار مصرون على العناد والتكبر ، فكأن الهبوط من العلو جعل مثلاً للانقياد ، وقوله: {مّنْ خَشْيَةِ الله} ، أي ذلك الهبوط لو وجد من العاقل المختار لكان به خاشياً لله وهو كقوله: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ} [الكهف: 77] ، أي جداراً قد ظهر فيه الميلان ومقاربة السقوط ما لو ظهر مثله فِي حي مختار لكان مريداً للانقضاض ، ونحو هذا قول بعضهم:
بخيل تضل البلق من حجراته.. ترى الأكم فيه سجداً للحوافر
وقول جرير:
لما أتى خبر الزبير تضعضعت.. سور المدينة والجبال الخشع
فجعل الأول ما ظهر فِي الأكم من أثر الحوافر مع عدم امتناعها من دفع ذلك عن نفسها كالسجود منها للحوافر ، وكذلك الثاني: جعل ما ظهر فِي أهل المدينة من آثار الجزع كالخشوع.
وعلى هذا الوجه تأول أهل النظر قوله تعالى: {تُسَبّحُ لَهُ السماوات السبع والأرض وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مّن شَيْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ} [الإسرا: 44] ، وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض} [النحل: 49] الآية ، وقوله تعالى: {والنجم والشجر يَسْجُدَانِ} [الرحمن: 6] .
الوجه الثاني: فِي التأويل: أن قوله تعالى: {مّنْ خَشْيَةِ الله} أي ومن الحجارة ما ينزل وما ينشق ويتزايل بعضه عن بعض ، عند الزلازل من أجل ما يريد الله بذلك من خشية عباده له وفزعهم إليه بالدعاء والتوبة.