الظن هنا: بمعنى العلم والتيقن، ومنه قوله تعالى: {إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ} وقيل: الظن بمعناه المعروف، وهو إدراك الطرف الراجح، على أن تجعل ملاقاة الرب مجازا عن الموت، لأنهم يلقون بعده ربهم، ويكون المراد: ونها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يتوقعون الموت في كل لحظة، ويعلمون ما وراءه من البعث والحساب، فهؤُلاء لا يكون الصبر على الطاعة وعلى ترك المعاصى كبيرة على نفوسهم، كما لا تكون الصلاة ثقيلة على نفوسهم أيضًا، حذرا من العقاب - بعد البعث - على معصية الله.
ويجوز أن تفسر ملاقاة الرب بملاقاة ثوابه، وذلك مظنون فالزاهد العابد، لا يقطع بكونه ملاقيا ثواب الله. بل يظن ذلك، ليحمله هذا الظن على كمال الخشوع. والأول أولى؛ لقوله تعالى عقبه: {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} : أي ويعلمون أنهم إلى ربهم راجعون للحساب والجزاء، فإن الإيمان بالبعث وما وراءه، لا ينفع فيه الظن، بمعناه المعروف، إذ لا بد فيه من القطع واليقين، الذي هو العلم.
وهذه الآيات الثلاث - وإن نزلت في علماء بني إسرائيل - فالحكم فيها عام، يشترك فيه علماءُ الإسلام، ورجال جميع الديانات السماوية من قبل. فهو مبدأ مقرر فيها، فَمَن
أمرَ بالبر، ينبغي له أن يسبق من يدعوه إِليه، فلا ينسى نفسه ويذكر الناس، وعليه أن يستعين بالصبر والصلاة على قهر النفس وتطويعها للبر، وعل تحمل مشاق الحياة ومتاعبها، فإنهما يمنحان النفسى قوة الاحمّال، ويسهلان لها صعاب الأُمور.
{يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) } .
المفردات:
{نِعْمَتِيَ} : المراد بها؛ جميع مما انعم الله به عليهم.
{وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} : أي على عالمى زمانهم، قبل أن يضلوا، وتنسخ شريعتهم بما بعدها.
{لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} : أي لا تقضى عنها شيئًا من الحقوق.