أن يعلنه ، ثم زاد الأمر سوءًا وضلالاً باحتجاجه علي ربه بالقدر ، فبدلاً من أن ينسب الظلم إلي نفسه - كما فعل آدم عليه السلام ، ويتوب إلي الله - نسب الإغواء إلي الله عز وجل ؛ محتجًا به علي كفره ومعصيته ، ومبررًا عزمه علي القعود لبني آدم ، صادًا لهم عن الحق ، وصراط الله المستقيم ، فلم يقل ذلك شهودًا للربوبية ، وإيمانًا بقدر الله وقدرته علي أفعال عباده ، وخلقه لها ؛ كما قالها نوح عليه السلام لقومه: {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [هود:34] ، أو كما قالها موسي - عليه السلام - متوسلاً بشهود هذا المعني من معاني التوحيد لإجابة دعائه ؛ حيث قال: {إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ} [الأعراف:155] ، فالمؤمن يشهد القدر توحيدًا لله عزَّ وجلَّ ، ويلتزم بالطاعة ، ويتوب إلي الله من ذنوبه ، ويعترف علي نفسه بالظلم فيما فعله ، والكافر والفاجر ومن شابه إبليس من الجبرية ، يذكرون القدر احتجاجًا علي ترك الشرع ، ومحاربة الرب سبحانه ، ورسله ، ومعاندة أوامره ؛ فهي كلمة حق يقولونها يريدون بها باطلاً ، فأما أنها حق: فلا شك أن الله هو الذي أغوي إبليس ؛ أي أضله وأهلكه ؛ بعدله سبحانه ، وبعلمه بما انطوي عليه سره من الكبر والعجب ، والجهل بصفات الله عز وجل ، وهو كذلك أغوي قوم نوح ، وكل كافر ومشرك فما يكون فِي ملكه إلا ما يريد ، وهذا مقتضي ربوبيته ، وعلمه وقدرته ، وإرادته الكونية ، وأنه وحده الخالق ، وكل شيء سواه مخلوق: من ذوات العباد ، وصفاتهم وأفعالهم ، وأما أنهم يريدون بها باطلاً فإنهم: يبررون بذكر هذا الإغواء مخالفتهم لأمر الله الذي وقع من خلال قدرتهم وإرادتهم التي خلقها الله لهم ، وهم