فاعلون حقيقة ، والفعل الحقيقي هو الذي يفعله فاعله ، بإرادته وقدرته ، والله خالقهم ، وخالق قدرتهم ومشيئتهم وأفعالهم وصفاتهم ، وليس كون هذه الأشياء مخلوقة لله يلزم منها انعدام أثرها وسببيتها ؛ فالله الذي أراد أن تكون القدرة والإرادة المخلوقة مؤثرة فِي فعله ، وسببًا أو جزء سبب لوجود فعله ، وبهذا وعليه يحاسبه ربه ويسأله ، ويمدحه أو يذمه ؛ كما أن الإنسان مخلوق من أبويه ، وهما مخلوقان لله عز وجل ، ولكن كونهما مخلوقين لله لا يعني انعدام أثرهما ، وسببيتهما فِي وجوده عند كل العقلاء؛ فهما تزوجا ، وتعاشرا معاشرة نشأ بسببها الولد ، وهما مسئولان عنه لأجل ذلك ، فلو ألقياه فِي الطريق قائلين ربه الذي أراد خلقه ، وهو الذي أوجده، فلا دخل لنا به ، لكانا مستحقين للذم والعقاب عند كل عاقل ، فكذلك من يفعل فعله بإرادته ومشيئته وقدرته ، ثم يقول ربي هو الذي قدر علي ذلك وخلقه فيَّ ، فلا دخل لي بعملي ؛ لكان كذلك مستحقًا للذم والعقاب ، والعقل الإنساني لا يقبل فِي هذه المسألة إلا ما دل عليه الشرع ، ولا يجد محيدًا عنه أبدًا ؛ لأنه الحق والوسط بين طرفين كلاهما باطل عقلاً وحِسًا وشرعًا ، إذ أن أحد الطرفين هو طرف إبليس وأشباهه من الجبرية (أو القدرية الإبليسية) القائلين:"لو شاء الله ما أشركنا"، والقائلين:"بما أغويتني"، نافين مسئوليتهم عن أفعالهم ، مبررين كفرهم ومعاصيهم بالقدر ، وقد ذكرنا بطلان ذلك عقلاً وشرعًا لأن الله سبحانه أثبت للعباد قدرة وإرادة بها تقع أفعالهم فقال: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] ؛ فأثبت لهم مشيئة بها يقع إيمانهم أو كفرهم ، وقال سبحانه: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] ، وقال جل ذكره: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} [المائدة: 34] . فأثبت للعباد قدرة واستطاعة بها يقع