وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ أي التوراة وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ أي وأرسلنا على أثره الكثير من الرسل، يقال قفاه به إذا أتبعه إياه، وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ أي المعجزات الواضحات، كإحياء الموتى، وإبراء الأكمه، والأبرص، والإخبار بالمغيبات وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أي بالروح المقدسة، ومعنى القدس في الأصل الطهارة. وما هي هنا؟ للمفسرين أقوال، منهم من قال: إنه جبريل؛ لأنه يأتي بما فيه حياة القلوب، ومنهم من قال: إنه الإنجيل؛ لأنه كالقرآن روح من عند الله وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا. (سورة الشورى) ومنهم من قال: إنه اسم الله الأعظم، الذي كان يحيي به الموتى. قال ابن جرير:
وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قول من قال: الروح في هذا الموضع جبريل .. أقول ويؤيد هذا الاتجاه قول الله تعالى نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ .. (سورة الشعراء) فسمى جبريل في هذه الآية روحا، ويؤيد هذا الاتجاه ما رواه البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم أيد حسان بروح القدس؛ كما نافح عن نبيك» .
وفي بعض الروايات: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحسان: «اهجهم أو هاجهم وجبريل معك» .
أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ أي بما لا تحبه وتريده اسْتَكْبَرْتُمْ
فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ أي تعظمتم عن القبول والمتابعة، ففريقا كذبتموهم كعيسى ومحمد، وفريقا تقتلونهم كز كريا ويحيى. قال الزمخشري في قوله تعالى فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ «إنما لم يقل وفريقا قتلتم، لأنه أراد بذلك وصفهم في المستقبل أيضا، لأنهم حاولوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم بالسم والسحر» .