ولا يخفى ما تثيره هذه الأوهام فِي نفوس العامة من الجزم بنجاح السعي وجعلهم فِي مأمن من خيبة أعمالهم ولحاق التنكيل بهم فإذا قضى الوطر بذلك الخبر التصق أثره فِي الناس فيبقى ضر ضلاله بعد اجتناء ثماره.
والاتباع فِي الأصل هوالمشي وراء الغير ويكون مجازاً فِي العمل بقول الغير وبرأيه وفي الاعتقاد باعتقاد الغير تقول اتبع مذهب مالك واتبع عقيدة الأشعري ، والاتباع هنا مجاز لا محالة لوقوع مفعوله مما لا يصح اتباعه حقيقة.
والتلاوة قراءة المكتوب والكتاب وعرض المحفوظ عن ظهر قلب وفعلها يتعدى بنفسه {يتلون عليكم آيات} [الزمر: 71] فتعديته بحرف الاستعلاء يدل على تضمنه معنى تكذب أي تتلو تلاوة كذب على ملك سليمان كما يقال تقوّل على فلان أي قال عليه ما لم يقله ، وإنما فهم ذلك من حرف (على) .
والمراد بالملك هنا مدة الملك أو سبب الملك بقرينة أن التلاوة لا تتعلق بنفس الملك وحذف المضاف مع ما يدل على تعيين الوقت شائع فِي كلام العرب كقولهم وقع هذا فِي حياة رسول الله أو فِي خلافة عمر بن الخطاب وقول حميد بن ثور:
وما هي إلا فِي إزار وعِلقة...
مُغارَ ابن همام على حي خثعما
يريد أزمان مغار ابن همام.
وكذلك حذف المضاف إذا أريد به الحوادث أو الأسباب كما تقول تكلم فلان على خلافة عُمر أو هذا كتاب فِي مُلك العباسيين وذلك أن الاسم إذا اشتهر بصفة أو قصة صح إطلاقه وإرادة تلك الصفة أو القصة بحيث لو ظهرت لكانت مضافة إلى الاسم ، قال النابغة:
وليلٍ أقاسيه بطئ الكواكب...
أراد متاعب ليل لأن الليل قد اشتهر عند أهل الغرام بأنه وقت الشوق والأرق.
والشياطين قيل أريد بها شياطين الإنس أي المضللون وهو الظاهر.
وقيل: أريدت شياطين الجن.
وأل للجنس على الوجهين.
وعندي أن المراد بالشياطين أهل الحيل والسحرة كما يقولون فلان من شياطين العَرب وقد عد من أولئك ناشب الأعور أحد رجال يوم الوقيط.