ولما طلبوا من ربهم بيانًا لم تدفع الحاجة إليه وصفها لهم بوصف فيه إنذار
لهم بعذاب واقع بهم على يدي أمة من الأمم إلى مدة شاءها الله - جلَّ جلالُه - فظاهر الخطاب
بيان للأمر المراد منهم امتثاله، فقال عز من قائل: (إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ
عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68)
معناه:(لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ
تَسُؤْكُمْ)فتزدادوا بذلك عذابًا إلى عذاب ما أوعدتم به.
فكان ذلك التأويل لذلك الخطاب في وصف البقرة واقفًا على أمة فارس، أمة
لا تستن بسنة نبي وهو تأويل قوله: (لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ) أي:
مسنة يخبر عن قدم ملكهم بين ذلك؛ أي: ليست على هداية شرع، فكان ذلك من
حكمه فيهم إلى مدة شاءها.
ثم قالوا له من بعد ذلك: (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا ...(69)
فكانوا لذلك طالبين لبيان ما لا حاجة بهم إليه، فأجابهم جلَّ ذكره بما هو وصف للبقرة
المأمور بذبحها، وزيادة في نعتها، لتعذر وجودها، وكان هذا ظاهر الخطاب وباطنه
إنذارًا لهم بعذاب واقع بهم على أيدي أمة من الأمم إلى مدة شاءها - جلَّ جلالُه - فقال:(إِنَّهَا
بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ)وكان تأويل هذا الوصف واقع
على أنه ملك بني الأصفر، ملكهم ملك معجب يعذبهم بأيديهم ويملكهم إياهم
أيضًا، فلو ذبحوها على ما حُد لهم كان أيسر لوجودها، وأقرب إلى بعض العافية.
(قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ(71)
لشقائهم ردوا على نبيهم - عليه السلام - ، وطلبوا البيان ثالثة دون ضرورة اضطرتهم إلى
ذلك، فزاد البقرة نعتا ليتعذر وجودها جدًّا، فقال:(إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ
وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا
يَفْعَلُونَ).