فالعهد الأول: {بِعَهْدِي} مضاف إلى الفاعل، فإنه تعالى عد إليهم بالإيمان والعمل الصالح: بإِرسال الرسل، وإنزال الكتب، ونصب الأدلة. والعهد الثاني {بِعَهْدِكُمْ} مضاف إلى المفعول، أي بعهدي إياكم، فإنه سبحانه، وَعَدَهم الثواب على حسناتهم. وعاهدهم على ذلك.
{وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} إياى وحدى ارهبوني. والرهبة: خوف مصحوب بالتحرز. والفاء تشير إلى معنى الشرط، أي: إن كنتم ترهبون أحدًا فارهبوني، وأَلا تنقضوا عهودكم معي.
والآية متضمنة للوعد والوعيد، ودالة على وجوب الشكر والوفاءِ بالعهد، وألا يخاف المؤْمن إلا الله تعالى.
وفي ذكر قصة بني إسرائيل - بعد قصة خلق آدم - تصوير لتسلط إبليس اللعين على بعض ذريِة آدم وتأثرهم بوسوسته، مع مزيد فضل الله عليهم، وأنهم لم يحذروه مع ما صنعه بجدهم من الإغواء، وما عرف عنه من العداوة له ولأولاده!
{وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) } .
المفردات:
{بِمَا أَنْزَلْتُ} : أي بالقرآن الذي أَنزلته.
{مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ} : من التوراة.
{وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا} : لا تجعلوا بدلا من الإيمان بآياتي، منافع الدنيا، فإنها قليلة.
{وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} ولا تخلطوه به.
التفسير
41 - {وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ ... } الآية.
بعد أَن أموهم الله بالوفاء بالعهود، أَمرهم بالإيمان بالقرآن الذي أنزل على محمد صلى الله علمِه وسلم. فإنه من الوفاء بالعهد الذي أخذ عليهم.
ومعنى كون القرآن مصدقًا للتوراة التي معهم: أنه يدعو إلى ما تدعو إليه من الإيمان باللهِ وتوحيده، والعدل بين الناس. والنهى عن المعاصى. كما أن فيه ما فيها من قصص المرسلين، والعمل ليوم الدين، وغير ذلك من الأصول.