ظهرت من إبليس فضحت هذه النفس المهينة الحقيرة الفاسدة المستحقة للَّعنة والإبعاد وأظهرت حكمة الله وعدله فِي تكريمه آدم عليه السلام وتفضيله ، بفضله ورحمته سبحانه وبحمده، وظهر كيف استحق إبليس المقت والكراهية من الله عز وجل، ثم من خلقه ، وكان لزامًا علي الخلق أن يحذروا مثل هذه الصفات أن يتصفوا بها أو أن يعملوا مثل عمله فيستحقوا مثل جزائه والعياذ بالله .قوله تعالى: {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} [الأعراف: 13] .يخبر تعالي عما عاقب به إبليس بنقيض قصده فإنه لما تعالي عن أمر الله أهبطه الله من الجنة أو من المنزلة التي كان فيها ولما تكبر صغره وأذله ، وكذلك كل من قصد شيئًا بمخالفة أمر الله عاقبه الله بنقيض قصده فمن ابتغي العز بمعصية الله أذله الله ، ومن تعاظم علي شرع الله حقره الله ، ومن رام التخلص من العبودية للَّه جعله الله عبد شيطانه وهواه وأسره فِي حبسهما أسوأ الأسر ، وحبسه فِي ذلهما أقبح الحبس .قال ابن كثير - رحمه الله -: يقول تعالي مخاطبًا إبليس بأمر قدري كوني: {فَاهْبِطْ مِنْهَا} ، أي بسبب عصيانك لأمري وخروجك عن طاعتي فما يكون لك أن تتكبر فيها ، قال كثير من المفسرين الضمير عائد إلي الجنة ويحتمل أن يكون عائد إلي المنزلة التي هو فيها فِي الملكوت الأعلى {فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} أي الذليلين الحقيرين معاملة له بنقيض قصده مكافئة لمراده بضده. ا هـ.وتأمل فِي هذا المصير البائس الرهيب الذي صار إليه إبليس بعد العز بطاعة الله ومجاورة الملأ الأعلى والحضور والقرب فِي ملكوت السماوات ، فأبدل بالأُنس إيحاشًا ، وبالتقريب لعنة وإبعادًا ، وبالرجاء فِي مزيد من الفضل والرحمة يأسًا وقنوطًا ، وبلذة المناجاة والعبادة ألمًا وحسرة وخسرانًا ، وبالرضا سخطًا وغضبًا ، وبالحب كراهية ومقتًا ، وبإرادة وجه الله والعمل بطاعته ،