يَعْنِي بِذَلِكَ: فَكُلُوا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ حَيْثُ شِئْتُمْ عَيْشًا هَنِيًّا وَاسِعًا بِغَيْرِ حِسَابٍ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الرَّغَدِ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا، وَذَكَرْنَا أَقْوَالَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِيهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا}
أَمَّا الْبَابُ الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوهُ، فَإِنَّهُ قِيلَ: هُوَ بَابُ الْحِطَّةِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {سُجَّدًا} فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَتَأَوَّلُهُ بِمَعْنَى الرُّكَّعِ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رُكَّعًا مِنْ بَابٍ صَغِيرٍ""
وَأَصْلُ السُّجُودِ: الِانْحِنَاءُ لِمَنْ سَجَدَ لَهُ مُعَظِّمًا بِذَلِكَ فَكُلُّ مُنْحَنٍ لِشَيْءٍ تَعْظِيمًا لَهُ فَهُوَ سَاجِدٌ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
بِجَمْعٍ تَضِلُّ الْبُلْقُ فِي حَجَرَاتِهِ ... تَرَى الْأَكَمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوَافِرِ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: سُجَّدًا: خَاشِعَةً خَاضِعَةً. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ:
يُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ الْمَلِي ... كِ طَوْرًا سُجُودًا وَطَوْرًا جُؤَارَا
فَذَلِكَ تَأْوِيلُ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: {سُجَّدًا} رُكَّعًا، لِأَنَّ الرَّاكِعَ مُنْحَنٍ، وَإِنْ كَانَ السَّاجِدُ أَشَدَّ انْحِنَاءً مِنْهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقُولُوا حِطَّةٌ}
وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {حِطَّةٌ} فِعْلَةٌ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: حَطَّ اللَّهُ عَنْكَ خَطَايَاكَ فَهُوَ يَحُطُّهَا حِطَّةٌ، بِمَنْزِلَةِ الرِّدَّةِ وَالْحِدَّةِ وَالْمِدَّةِ مِنْ رَدَدْتُ وَحَدَدْتُ وَمَدَدْتُ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ
قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: «أَيِ احْطُطْ عَنَّا خَطَايَانَا»
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. كَأَنَّهُمْ وَجَّهُوا تَأْوِيلَهُ: قُولُوا الَّذِي يَحُطُّ عَنْكُمْ خَطَايَاكُمْ، وَهُوَ قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ