وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الَّذِي اسْتَغْنَى بِدَلَالَةِ ظَاهِرِهِ عَلَى مَا تُرِكَ مِنْهُ. وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ، فَخَالَفُوا مَا أَمَرْنَاهُمْ بِهِ وَعَصَوْا رَبَّهُمْ ثُمَّ رَسُولَنَا إِلَيْهِمْ، وَمَا ظَلَمُونَا. فَاكْتَفَى بِمَا ظَهَرَ عَمَّا تَرَكَ.
وَقَوْلُهُ: {وَمَا ظَلَمُونَا}
يَقُولُ: وَمَا ظَلَمُونَا بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ وَمَعْصِيَتِهِمْ {وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {وَمَا ظَلَمُونَا} وَمَا وَضَعُوا فِعْلَهُمْ ذَلِكَ وَعِصْيَانَهُمْ إِيَّانَا مَوْضِعَ مَضَرَّةٍ عَلَيْنَا وَمَنْقَصَةٍ لَنَا، وَلَكِنَّهُمْ وَضَعُوهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ مَوْضِعَ مَضَرَّةٍ عَلَيْهَا وَمَنْقَصَةٍ لَهَا
وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّ أَصْلَ الظُّلْمِ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَكَذَلِكَ رَبُّنَا جَلَّ ذِكْرُهُ لَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ عَاصٍ، وَلَا يَتَحَيَّفُ خَزَائِنَهُ ظُلْمُ ظَالِمٍ، وَلَا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مُطِيعٍ، وَلَا يَزِيدُ فِي مُلْكِهِ عَدْلُ عَادِلٍ؛ بَلْ نَفْسَهُ يَظْلِمُ الظَّالِمُ، وَحَظَّهَا يَبْخَسُ الْعَاصِي، وَإِيَّاهَا يَنْفَعُ الْمُطِيعُ، وَحَظَّهَا يُصِيبُ الْعَادِلُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) }
وَالْقَرْيَةُ الَّتِي أَمَرَهُمُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْ يَدْخُلُوهَا، فَيَأْكُلُوا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شَاءُوا فِيمَا ذُكِرَ لَنَا: بَيْتُ الْمَقْدِسِ
وقَالَ ابْنَ زَيْدٍ: هِيَ أَرِيحَا، وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ""
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا}