قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «كَانَ الْمَنُّ يَنْزِلُ عَلَى شَجَرِهِمْ فَيَغْدُونَ عَلَيْهِ فَيَأْكُلُونَ مِنْهُ مَا شَاءُوا»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالسَّلْوَى}
وَالسَّلْوَى: اسْمُ طَائِرٍ يُشْبِهُ السُّمَانَى، وَاحِدُهُ وَجِمَاعُهُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، كَذَلِكَ السُّمَانَى لَفْظُ جَمَاعِهَا وَوَاحِدِهَا سَوَاءٌ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ وَاحِدَةَ السَّلْوَى سَلْوَاةٌ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}
وَهَذَا مِمَّا اسْتَغْنَى بِدَلَالَةٍ ظَاهِرَةٍ عَلَى مَا تَرْكٍ مِنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ تَأْوِيلَ الْآيَةِ: وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ، وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى، وَقُلْنَا لَكُمْ: كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ. فَتَرَكَ ذِكْرَ قَوْلِهِ: وَقُلْنَا لَكُمْ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ دَلَالَةِ الظَّاهِرِ فِي الْخِطَابِ عَلَيْهِ. وَعَنَى جَلَّ ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} كُلُوا مِنْ مُشْتَهِيَاتِ رِزْقِنَا الَّذِي رَزَقْنَاكُمُوهُ.
وَقَدْ قِيلَ عَنَى بِقَوْلِهِ: {مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} مِنْ حَلَالِهِ الَّذِي أَبَحْنَاهُ لَكُمْ، فَجَعَلْنَاهُ لَكُمْ رِزْقًا.
وَالْأَوَّلُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ أَوْلَى بِالتَّأْوِيلِ لِأَنَّهُ وَصْفُ مَا كَانَ الْقَوْمُ فِيهِ مِنْ هَنِيءِ الْعَيْشِ الَّذِي أَعْطَاهُمْ، فَوَصْفُ ذَلِكَ بِالطَّيِّبِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى اللَّذَّةِ أَحْرَى مِنْ وَصْفِهِ بِأَنَّهُ حَلَالٌ مُبَاحٌ. وَمَا الَّتِي مَعَ رَزَقْنَاكُمْ بِمَعْنَى الَّذِي كَأَنَّهُ قِيلَ: كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ الرِّزْقِ الَّذِي رَزَقْنَاكُمُوهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}