وَمَعْنَى قَوْلِهِ: {فَرَقْنَا بِكُمُ} فَصَلْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، فَفَرَقَ الْبَحْرَ اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا، فَسَلَكَ كُلُّ سِبْطٍ مِنْهُمْ طَرِيقًا مِنْهَا. فَذَلِكَ فَرْقُ اللَّهِ بِهِمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْبَحْرَ، وَفَصْلُهُ بِهِمْ بِتَفْرِيقِهِمْ فِي طَرِيقِ الِاثْنَيْ عَشَرَ
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ} فَرَقْنَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْمَاءِ: يُرِيدُ بِذَلِكَ: فَصَلْنَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ وَحَجَزْنَاهُ حَيْثُ مَرَرْتُمْ بِهِ. وَذَلِكَ خِلَافُ مَا فِي ظَاهِرِ التِّلَاوَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ فَرَقَ الْبَحْرَ بِالْقَوْمِ، وَلَمْ يُخْبِرْ أَنَّهُ فَرَقَ بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ الْبَحْرِ، فَيَكُونُ التَّأْوِيلُ مَا قَالَهُ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ، وَفَرْقُهُ الْبَحْرَ بِالْقَوْمِ، إِنَّمَا هُوَ تَفْرِيقُهُ الْبَحْرَ بِهِمْ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنَ افْتِرَاقِ سَبِيلِهِ بِهِمْ عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: إِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَكَيْفَ غَرَّقَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ آلَ فِرْعَوْنَ، وَنَجَّى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟