أَمَّا قَوْلُهُ: {وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَفِي الَّذِي فَعَلْنَا بِكُمْ مِنْ إِنْجَائِنَا إِيَّاكُمْ مِمَّا كُنْتُمْ فِيهِ مِنْ عَذَابِ آلِ فِرْعَوْنَ إِيَّاكُمْ عَلَى مَا وَصَفْتُ بَلَاءٌ لَكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ. وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ بَلَاءٌ: نِعْمَةٌ.
وَأَصْلُ الْبَلَاءِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الِاخْتِبَارُ وَالِامْتِحَانُ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ لِأَنَّ الِامْتِحَانَ وَالِاخْتِبَارَ قَدْ يَكُونُ بِالْخَيْرِ كَمَا يَكُونُ بِالشَّرِّ، كَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}
يَقُولُ: اخْتَبَرْنَاهُمْ، وَكَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} ثُمَّ تُسَمِّي الْعَرَبُ الْخَيْرَ بَلَاءً وَالشَّرَّ بَلَاءً، غَيْرَ أَنَّ الْأَكْثَرَ فِي الشَّرِّ أَنْ يُقَالَ: بَلَوْتُهُ أَبْلُوهُ بَلَاءً، وَفِي الْخَيْرِ: أَبْلَيْتُهُ أَبْلِيهِ إِبْلَاءً وَبَلَاءً؛ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى:
جَزَى اللَّهُ بِالْإِحْسَانِ مَا فَعَلَا بِكُمْ ... وَأَبْلَاهُمَا خَيْرَ الْبَلَاءِ الَّذِي يَبْلُو
فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ لِأَنَّهُ أَرَادَ: فَأَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا خَيْرَ النِّعَمِ الَّتِي يَخْتَبِرُ بِهَا عِبَادَهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) }
أَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ} فَإِنَّهُ عَطْفٌ عَلَى: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ} بِمَعْنَى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ، وَاذْكُرُوا إِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ.