وتظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم، كان في مدة تيههم بين مصر والشام المشار إليه بقوله - تعالى - قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ.
قال السدى: «لما دخل بنو إسرائيل التيه، قالوا لموسى - عليه السلام - كيف لنا بما ها هنا، أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المن فكان ينزل على شجرة الزنجبيل، والسلوى وهو طائر يشبه السمانى أكبر منه فكان يأتى أحدهم فينظر إلى الطير فإن كان سمينا ذبحه وإلا أرسله، فإذا سمن أتاه فقالوا هذا الطعام فأين الشراب؟ فأمر الله - تعالى - موسى أن يضرب بعصاه الحجر فضربه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، فشرب كل سبط من عين، فقالوا: هذا الشراب فأين الظل؟ فظلل الله عليهم الغمام. فقالوا: هذا الظل فأين اللباس؟ فكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان ولا يتمزق لهم ثوب، فذلك قوله تعالى: وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى ...
ومعنى الآية الكريمة: واذكروا يا بني إسرائيل من بين نعمى عليكم نعمة إظلالكم بالغمام وأنتم في التيه ليقيكم حر الشمس، وحرارة الجو، ولولا منحى إياكم الطعام اللذيذ المشتهى بدون تعب منكم في تحصيله لهلكتم، وقلنا لكم كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا الذي
رزقكم هذه النعم، ولكنكم كفرتم بها، فظلمتم أنفسكم دون أن ينالنا من ذلك شيء ، لأن الخلق جميعا لن يبلغوا ضرى فيضرونى ولن يبلغوا نفعي فينفعونى.
فالآية الكريمة قد أشارت إلى جحودهم النعمة بقوله تعالى: وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
وقوله تعالى: وَما ظَلَمُونا معطوف على محذوف، أي فعصوا ولم يقابلوا النعم بالشكر.
ويرى البعض أنه لا حاجة إلى التقدير، وأن جملة وَما ظَلَمُونا معطوفة على ما قبلها لأنها مثلها في أنها من أحوال بني إسرائيل.
والتعبير عن ظلمهم لأنفسهم بكلمة كانُوا والفعل المضارع يَظْلِمُونَ يدل على أن ظلمهم لأنفسهم كان يتكرر منهم، لأنك لا تقول في ذم إنسان كان يسيء إلى الناس إلا إذا كانت الإساءة تصدر منه المرة تلو الأخرى.