والآية الكريمة تفيد أن بني إسرائيل طلبوا من نبيهم رؤية الله جهرة في الدنيا، وأنهم علقوا إيمانهم عليها، ولم يأبهوا للآيات الدالة على صدق. موسى - عليه السلام - فكان ذلك محض تعنت وعناد منهم، فأخذتهم الصاعقة عقوبة لهم على ذلك، وليس على مجرد سؤالهم رؤية الله - تعالى - ومن هنا يتبين أن الآية لا تدل على استحالة الرؤية كما يقول المعتزلة.
وجملة ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ هي محل النعمة والمنة، وهي معطوفة على قوله تعالى فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ ودل العطف بثم على أن بين أخذ الصاعقة والبعث زمانا نتصور فيه المهلة والتأخير.
والمراد ببعثهم: إحياؤهم من بعد موتهم، وهو معجزة لموسى - عليه السلام - استجابة لدعائه.
وقد اشتملت الآيتان الكريمتان على تحذير اليهود المعاصرين للعهد النبوي، من محاربة الدعوة الإسلامية، حتى لا يصابوا بما أصيب به أسلافهم من الصواعق وغيرها وفيهما أيضا تسلية للنبي صلّى الله عليه وسلّم عما لاقاه من اليهود، لأن ما فعلوه معه قد فعل ما يشبهه آباؤهم مع أنبيائهم، وفيها كذلك لون جديد من نعم الله عليهم ما أجدرهم بشكرها لو كانوا يعقلون.
ثامنا: نعمة تظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم:
ثم عطف - سبحانه - على نعمة بعثهم من بعد موتهم نعمة أخرى بل نعمتين، وهما تظليلهم بالغمام ومنحهم المن والسلوى، فقال تعالى:
[سورة البقرة (2) : آية 57]
وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)
الغمام: جمع غمامة، وهي السحابة، وخصه بعض علماء اللغة بالسحاب الأبيض.
والمن: اسم جنس لا واحد من لفظه، وهو - على أرجح الأقوال - مادة صمغية تسقط على الشجر تشبه حلاوته حلاوة العسل.
والسلوى: اسم جنس جمعى، واحدته سلواة، وهو طائر برى لذيذ اللحم، سهل الصيد، يسمى بالسمانى، كانت تسوقه لهم ريح الجنوب كل مساء، فيمسكونه قبضا بدون تعب.