وهذا هو الصحيح لأن معاينتهم للأمور الفظيعة لا تمنع تكليفهم، لأن بني إسرائيل قد شاهدوا أمورا عظاما من خوارق العادات وهم مع ذلك مكلفون وهذا واضح، والله أعلم).
وقال ابن جرير: «ولا خبر عندنا بصحة شيء مما قاله من ذكرنا قوله في سبب قيلهم ذلك لموسى تقوم به حجة، فنسلّم لهم، وجائز أن يكون ذلك بعض ما قالوه، فإذا كان لا خبر بذلك تقوم به حجة فالصواب من القول فيه أن يقال: إن الله - جل ثناؤه - قد أخبر عن قوم موسى أنهم قالوا له يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً كما أخبر عنهم أنهم قالوه ... »
وفي ندائهم لنبيهم باسمه «يا موسى» سوء أدب منهم معه، لأنه كان من الواجب عليهم،
أن يقولوا له: يا رسول الله أو يا نبي الله، من الصفات التي تشعر بصفات التعظيم والتوقير، وقد تكررت مناداتهم باسمه مجردا في كثير من المواطن.
ومن أدب الصحابة مع الرسول صلّى الله عليه وسلّم أنهم كانوا يقولون له: يا رسول الله، استجابة لأمر الله - تعالى - في قوله: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً.
وقولهم: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً دليل على تمردهم وعصيانهم، وقلة اكتراثهم بما أوتوا من نعم، وما شاهدوا من معجزات، إذ أنهم طلبوا منه أن يروا الله عيانا، فإن لم يروه داخلهم الشك في صدق نبيهم.
وعبر عنهم القرآن الكريم بأنهم يريدون الرؤية (جهرة) لإزالة احتمال أنهم يكتفون بالرؤية المنامية، أو العلم القلبي، فهم لا يعتقدون إلا بالرؤية الحسية، لغلظ قلوبهم، وجفاء طباعهم.
وقوله تعالى: فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ إشارة إلى أن العقوبة قد فاجأتهم بعد وقت قصير من مطالبهم المتعنتة، لأن الفاء تفيد التعقيب.
وجملة وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ تفيد أن العقوبة نزلت عليهم وهم يشاهدونها وفي مشاهدتها رعب وخوف أخذ بمجامع قلوبهم، قبل أن يأخذ العذاب أجسادهم، وإن إصابتهم بهذه العقوبة كان في حالة إساءتهم وتمردهم وطمعهم في أن ينالوا ما ليس من حقهم.