ذلكم المذكور من التوبة، والقتل، أنفع لكم عند الله من العصيان، والإصرار على الذنوب؛ لما فيه من العذاب، إذ أن القتل يطهّركم من الرجس الذي دنّستم به أنفسكم، ويجعلكم أهلا للثواب {فَتابَ عَلَيْكُمْ} ؛ أي: ففعلتم ما أمركم به موسى، فقبل توبتكم، وتجاوز عن سيئاتكم، إنه سبحانه هو التواب؛ أي: كثير قبول التوبة ممن تاب إليه. الرحيم: أي كثير الرحمة بمن ينيب إليه، ويرجع، ولولا ذلك لعجل بإهلاككم على ما اجترحتم من عظيم الآثام، وكرّر البارئ باللفظ الظاهر؛ توكيدا؛ ولأنها جملة مستقلة، فناسب الإظهار. وللتنبيه على أنّ هذا الفعل هو راجح عند الذي أنشأكم، فكما رأى أن إنشاءكم راجح؛ رأي: أنّ إعدامكم بهذا الطريق من القتل راجح، فينبغي التسليم له في كل حال، وتلقّي ما يرد من قبله بالقبول، والامتثال. ذكره في «البحر» .
وقرأ الجمهور: بظهور حركة الإعراب في {بارِئِكُمْ} وروي عن أبي عمرو الاختلاس. روى ذلك عنه سيبويه، وروي عنه الإسكان؛ وذلك إجراء للمنفصل من كلمتين مجرى المتصل من كلمة، فإنه يجوز تسكين مثل إبل، فأجري المكسوران في بارئكم مجرى إبل. ومنع المبرد التسكين في حركة الإعراب، وزعم أن قراءة أبي عمرو لحن، وما ذهب إليه ليس بشيء ؛ لأن أبا عمرو لم يقرأ إلا بأثر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولغة العرب توافقه على ذلك، فإنكار المبرد لذلك منكر.
وقرأ الزهري {باريكم} بكسر الياء من غير همز. وروي ذلك عن نافع، وليست في المتواترات ولهذه القراءة تخريجان:
أحدهما: أنّ الأصل الهمزة، وأنه من برأ، فخففت الهمزة بالإبدال المحض على غير قياس، إذ قياس هذا التخفيف، جعلها بين بين.
والثاني: أن يكون الأصل باريكم بالياء من غير همز، فيكون مأخوذا من قولهم بريت القلم إذا أصلحته، أو من البري وهو التراب، ثم حرّك حرف العلة، وإن كان قياسه تقدير الحركة في مثل هذا رفعا وجرا. وقد ذكر الزمخشري في اختصاص ذكر البارئ هنا كلاما حسنا هذا نصه: