يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).
(فصل)
قال الله - جلَّ جلالُه - فيما خاطبنا به في كتابه العزيز من معنى الجدل لهم:(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ
آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ)يعني: على محمد قالوا: (قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا) أي:
من التوراة.
ثم قال عز من قائل متعجبًا من سوء مآخذهم وفساد ما ذهبوا إليه:(وَيَكْفُرُونَ
بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ)أي: كيف يكون هذا؟ كيف
يصح اعتقاده؛ يؤمنون بما أنزل إليهم، وفيما أنزل إليهم تصديق محمد - صلى الله عليه وسلم - وما جاء
به، فكيف يؤمنون به وهم يكفرون به؛ بل كيف يؤمنون برسول من عند الله،
ويكفرون برسل من عند الله؛ وإنما المرسلون والنبيون صلوات الله وسلامه عليهم
أجمعين كلهم بمنزلة رجل واحد، فوجوب الإيمان بجميعهم سواء.
ثم جعل يبين تناقضهم ويكسر بفصل الحق شبه أباطيلهم، تقولون: إنكم
تؤمنون بما أنزل إليكم فلِمَ تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين، بما أنزل
عليكم أفيما أنزل عليكم قتل الأنبياء، ورد ما جاءوا به وقتل الآمرين بالقسط من
الناس، أهكذا يفعل من آمن بالله ورسله يكفر بما أنزل عليه.
ثم قال جل قوله: (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ...(92)
وهو الذي آمنتم به
زعمتم (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) اتخذتموه إلهًا من
دون اللَّه بعدما تبين لكم بالآيات تحقيق الألوهية لله - عز وجل - ، وثبوت الربوبية أيفعل هذا
من آمن بالله وما أنزل عليه.
ثم قال جل قوله: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ
بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ... (93)
أهكذا يفعل من آمن بما أنزل
عليه يسمع ولا يطيع، يؤمن ولا يعمل، بل يأبى ويشرد على ربه حدًا وأنفة.
ثم ختم - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه جلالهم با أممبيرة قوله:(وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ
الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ)أي: لما كفروا بعد البيان وأعتاضوا العجل إلهًا من دون الله رب