عبَّر عن ذلك القرآن بقوله:(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ
وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ)إلى قوله: (وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ
غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (81) .
وأنبأ الله موسى - عليه السلام - أن قومه قد أضلهم السامري فرجع إليهم غضبان أسفا؛
أي: حزينًا مما يتوقع نزوله بهم من غضب ربهم - عز وجل - لمعاجلتهم إياه بالخلاف، فقال
لهم: (بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ) أي: غضبه
بالطغيان عليه في نعمه عليكم فكان ما قضَه الله جلَّ ذكره من أمرهم.
قوله - جلَّ جلالُه -: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ
فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ ... (54)
جاء في التفسير أن هذا الأمر أمر عزم بأن يقتلوا
أنفسهم، وأنهم قتلوا بعضهم بعضا وكذا جاء في كتب أهل الكتاب، فالله أعلم أكان
ذلك أم لا؟ آمنا بما أنزل إلينا وما أنزل إليهم، وسلمنا لما هو الحق من عند ربنا،
وكتاب الله أعظم فاصل وأكبر شاهد، والمهيمن على ما جاء قبله من كتاب.
وربما كان ذلك عبارة عن التوبة إلى الله، والإنحاء على الأنفس بوظائف
العبادات والتشديد عليها، والتنكيل بالكسر لها، ومعها ما لها حتى ترضى بما
عليها، يدل على ذلك قوله لمتخذي العجل: (فَتَابَ عَلَيكم) ولو قتلوا
فهلكوا لم يقل جل قوله: (فَتابَ عَليكم) بل كان يقول: فغفر لهم.
وقد أبقى - جلَّ جلالُه - في حقنا وله الحمد على ذلك، فجعل سنة التوبة ذبح النفوس
بالكسر لها والمنع من شهواتها حتى ترجع إلى ما يرضي ربها، وذلك في الاعتبار
موت في حق المذنب من الحال التي كان عليها من كسب الذنب، كما التوبة حياة
في التائب عن موت الذنب، وجعل - عز وجل - من عقوبة متأخرهم على ذلك أن يكون
خروج الدجال - لعنه الله - فيهم ومنهم، وإنهم متبعوه وناصروه كفرًا زائدا إلى
كفرهم كما كفروا به أولاً، وإنهم متبعوه، والممتحنون من أجله المقتولون حقًّا