أخذ البلى آياتها
وإذ قيل:"عفا فلان عن فلان"كأنه قصد تناول شيء ما منصرفاً عنه والمفعول به مترك لكونه غير مقصود وذلك كقولهم ذهبت عما ارتكبته وتجاوزت عنك: أي تجاوزت إلى شيء ما وعفا النبت والشعر أي قصد تناول الزيادة كقولهم: أخذ النبت فِي الزيادة وقولهم أعطى عفوا فعفوا مصدر فِي موضع الحال ، أي أعطى وحاله حال العافي فِي الاهتزاز - إشارة إلى المعنى الذي عد بديعاً للشعراء فِي نحو قول الشاعر:
كأنك تعطيه الذي أنت سائله
والشكر: مقابلة الصنيعة بإظهار ، ومنه: دابة شكور ، إذا كانت مظهرة إحسان صاحبها إليها ، وضره شكري من ذلك والشكر: كناية عن الفرج المزوج ، لكونه مقابلاً للمهر مقابلة الشكر للمشكور عليه ، والشكر ضرب من العدالة ، إذ هو فِي مقابلة النعمة ، وأعم من المكافآت فإن المكافأة يعتبر فيها تارة مماثلة فِي الكمية وتارة فِي حال المكافئ والمكافأ والشكر: لا يعتبر فيه ذلك.
وأيضاً فالشكر قد يكون باللسان تارة ، وبالمقابلة تارةً وقد تقدم الكلام فِي (لعل) وأنه وإن كان مقتضياً
للرجاء فليس على الاعتبار به تعالى ، فإن الرجاء لمن يخفى عليه العواقب ، ولا يتمكن من كل ما يريده ، والقصد بالآية"بتبين عفوه عنهم بعد ارتكابهم الجرائم ليتحروا شكره المقتضي لرحمته"تنبيهاً لنا أن نراعي عفوه وإحسانه - راجين بلوغ شكره بالأفعال الحميدة ، وقوله: (من بعد ذلك) : أي من بعد اتخاذكم العجل ، وإنما لم يقل: (ذلكم) لأ ، كاف الخطاب إذا اتصل بالمبهمات يصير كوصله لها وجزاءا منها ، فتارة يعتبر فيه الأصل فيجمع ، وتارة يعتبر فيه كونه وصلة لا خطاباً فيترك على حالته لا يثنى ولا يجمع.
قوله - عز وجل -:
{وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} الآية (53) - سورة البقرة.