وإنما فصلت هذه الآية عما قبلها لاختلاف الغرضين لأن هذه فِي تأديب المؤمنين ثم يحصل منه التعريض باليهود فِي نفاقهم وأذاهم والإشعار لهم بأن كيدهم قد أطلع الله عليه نبيه.
وقد كانوا يعدون تفطن المسحور للسحر يبطل أثره فأشبهه التفطن للنوايا الخبيثة وصريح الآيات قبلها فِي أحوالهم الدينية المنافية لأصول دينهم ولأن الكلام المفتتح بالنداء والتنبيه ونحوه نحو {يا أيها الناس} ويا زيد وألا ونحوها لا يناسب عطفه على ما قبله وينبغي أن يعتبر افتتاح كلام بحيث لا يعطف إلا بالفاء إذا كان مترتباً عما قبله لأن العطف بالفاء بعيد عن العطف بالواو وأوسع من جهة التناسب.
و {راعنا} أمر من راعاه يراعيه وهو مبالغة فِي رعاه يرعاه إذا حرسه بنظره من الهلاك والتلف وراعى مثل رعى قال طرفة:
خذول تراعى ربربا بخميلة ...
وأطلق مجازاً على حفظ مصلحة الشخص والرفق به ومراقبة نفعه وشاع هذا المجاز حتى صار حقيقة عرفية ومنه رعاك الله ورعى ذمامه، فقول المسلمين للنبيء صلى الله عليه وسلم (راعنا) هو فعل طلب من الرعي بالمعنى المجازي أي الرفق والمراقبة أي لا تتحرج من طلبنا وارفق بنا.
وقوله: {وقولوا انظرنا} أبدلهم بقولهم: {راعنا} كلمة تساويها فِي الحقيقة والمجاز وعدد الحروف والمقصود من غير أن يتذرع بها الكفار لأذى النبيء صلى الله عليه وسلم وهذا من أبدع البلاغة فإنَّ نَظَرَ فِي الحقيقة بمعنى حَرَسَ وصار مجازاً على تدبير المصالح، ومنه قول الفقهاء هذا من النظر، والمقصود منه الرفق والمراقبة فِي التيسير فيتعين أن قوله: {انظرنا} بضم همزة الوصل وضم الظاء وأنه من النظر لا من الانتظار.
وقد دلت هذه الآية على مشروعية أصل من أصول الفقه وهو من أصول المذهب المالكي يلقب بسد الذرائع وهي الوسائل التي يتوسل بها إلى أمر محظور.
وقوله تعالى: {واسمعوا} أريد به سماع خاص وهو الوعي ومزيد التلقي حتى لا يحتاجوا إلى طلب المراعاة أوالنظر وقيل: أراد من (اسمعوا) امتثلوا لأوامر الرسول قاله ابن عطية وهو أظهر.
وقوله: {وللكافرين عذاب أليم} التعريف للعهد.
والمراد بالكافرين اليهود خاصة أي تأدبوا أنتم مع الرسول ولا تتأسوا باليهود فِي أقوالهم: فلهم عذاب أليم، والتعبير بالكافرين دون اليهود زيادة فِي ذمهم.
وليس هنا من التذييل لأن الكلام السابق مع المؤمنين فلا يصلح ما بعده من تعميم حكم الكافرين لتذييل ما قبله. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 1 صـ 632 - 634}