وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ. أي: ولما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم مصدق لما معهم من التوراة نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ. أي:
طرح طائفة منهم كتاب الله الذي بأيديهم وهو التوراة بما فيه البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون أنه كتاب الله، أو كأنهم ليسوا أهل كتاب سابق يعلمهم، والذين أوتوا الكتاب في الآية هم اليهود، ونبذ الكتاب وراء الظهور مثل لتركهم له وإعراضهم عنه، مثل بما يرمى به وراء الظهور استغناء عنه وقلة التفات إليه، ويلاحظ أن كلمة (فريق) تكررت في هذه الآية والتي قبلها، هناك في معرض نقض الميثاق، وهنا في معرض ترك اتباع التوراة في موضوع الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، فبين الآيتين ارتباط لا يخفى على اللبيب،
ثم تأتي الآية الثالثة وارتباطها بما قبلها واضح لوجود حرف العطف إذ تبتدئ الآية بقوله تعالى: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ فصار التقدير نبذ اليهود كتاب الله، واتبعوا إملاءات الشياطين، وكتب السحر، والشعوذة هذه طبيعتهم: إعراض عما كلفوا به مما ينفعهم في دنياهم وأخراهم، واتباع لما حظر عليهم مما يظنون أنه ينفعهم في دنياهم.
وقبل أن نبدأ شرح الآية نحب أن نلفت النظر إلى قضيتين: الأولى السحر، والقضية الثانية حول هاروت وماروت، فالآية في سياقها تعرضت لهاتين القضيتين. وقد جرى خلاف كثير بين العلماء في تفسير الآية بسبب هاتين القضيتين ونحن سنعقد فصلين حولهما بعد أن ننهي عرض المقطع حتى يبقى عرض السياق مستمرا وسنقتصر على أدنى ما يلزم من كلام للعرض فليلاحظ ذلك.