ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم لأنهم يستعملونه فِي وجوه المفاسد {ولقد علموا} علم هؤلاء اليهود اللام فيه للابتداء وكذا فِي {لمن اشتراه} استبدل ما تتلو الشياطين واختاره على كتاب الله {ما له فِي الآخرة من خلاق} من نصيب كأنه قدر له هذا المقدار ، وقيل: الخلاق الخلاص . وقيل معنى الآية أن الملكين إنما قصدا بتعليم السحر الاحتراز عنه ليصل بذلك الاحتراز إلى منافع الآخرة ، فلما استعمل السحر للدنيا فكأنه اشترى بمنافع الآخرة منافع الدنيا {ولبئسما شروا به أنفسهم} أي باعوها والمخصوص محذوف وهو السحر أو منافع الدنيا ، وجواب"لو"محذوف يدل على ما قبله أي لو كانوا يعلمون لعلموا قبح ما شروا . ويجوز أن يكون"لو"للتمني مجازاً كما تقدم من الترجي فِي {لعلكم تتقون} وحينئذ لا يحتاج إلى الجواب . بقي ههنا سؤال وهو أنه كيف أثبت لهم العلم أولاً فِي قوله {ولقد علموا} على سبيل التوكيد بالقسم إجمالاً ثم نفاه عنهم فِي قوله {لو كانوا يعلمون} ؟ فإن"لو"لامتناع الثاني لامتناع الأول ، وكذا لو كان للتمني فإن التمني استدعاء أمر هو كالممتنع . والجواب أن الذين علموا غير الذين لم يعلموا ، فالذين علموا هم الذين علموا السحر ودعوا الناس إلى تعلمه ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ، والذين لا يعلمون هم الجهال الذين يرغبون فِي تعلم السحر . سلمنا أن القوم واحد ، ولكنهم علموا شيئاً وجهلوا شيئاً آخر ، علموا أنه لا خلاق لهم فِي الآخرة ، وجهلوا مقدار ما فاتهم من منافع الآخرة وما حصل لهم من مضارّها وعقوباتها ، سلمنا أن القوم واحد والمعلوم واحد ، ولكنهم نسبوا إلى الجهل حيث لم يعملوا بعلمهم ولم ينتفعوا به كما قيل: إنهم صم بكم عمي حيث لم ينتفعوا بالحواس .