وقوله تعالى: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} معنى الفتنة في كلام العرب: الابتلاء والامتحان، وأصلها مأخوذ من قولك: فتنتُ الفضة والذهب: إنا أذبتهما بالنار؛ ليتميز الرديء من الجيد، وتعرف جودتهما من الرداءة، ومن هذا قوله عز وجل: {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ} [الذاريات: 13] ، أي: يحرقون بالنار، ومن هذا قيل للحجارة السود التي كأنها أحرقت بالنار: الفتين، هذا هو، ثم جعل كل امتحان فِتْنَة، وقد جعل الله امتحانه عبيده المؤمنين باللأواء ليبلو صبرَهم فيثيبهم، أو جزعهم على ما ابتلاهم به فيجزيهم، جزاؤهم فتنة فقال: {الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ} إلى قوله: {وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت:1 - 2] قيل في تفسيره: وهم لا يُبلَون في أنفسهم وأموالهم، وكذلك قوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [العنكبوت: 3] ، أي: اختبرنا.
والفتنة تستعمل في معانٍ كثيرة، ترجع كلها إلى الأصل الذي ذكرنا عند النظر، والفتنة مصدر؛ لذلك لم يُثَنَّ.
ويقال: فَتَنَه وأَفْتَنَه، والأول: لغة أهل الحجاز، والثاني: لغة أهل نجد، وقال أعشى همْدان:
لئن فَتَنَتْني لَهْيَ بالأمس أفْتَنَتْ ... سعيدًا فأمسى قد قَلَى كلَّ مُسلم
وكان الأصمعي ينكر أفتَنَه، وذُكر له هذا البيت فلم يعبأ به. وأكثر أهل اللغة أجازوا اللغتين. ومعنى فتنته فلانة: أي: اختبرته، كأنه اختبر بها لجمالها.
وقال الليث: يقال فِتَنَه يَفتِنُه، ففَتَنَ بمعنى: افتتن، فجعله لازمًا ومتعديًا، وقال:
رخيم الكلام قطيع القيام ... أمسى الفؤاد به فاتنا
قال الأزهري: يقال: افْتَتَنَتْهُ فافْتَتَنَ، واقعًا ومطاوعًا، وهو صحيح ذكره ابن شُميل.
وأما فَتَنَتْه فَفَتَنَ فهي لغة ضعيفة.
ومعنى قوله: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} أي: ابتلاء واختبار لكم
وقوله تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا} هذا الفعل منسوق على فعل مقدّر يدل عليه الكلام، كأنه قال: حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فَيَأبَون فيتعلمون.