لا يوجد من مسلم على سبيل مضادة الإيمان، لأن المسلم لا يريد بها الخلاف والعباد، وخلع رباق الطاعة من عنقه، وإنما يتبع الهوى ويريد قضاء شهوته، فهي إذا توجد منه مضادة لما كان عليه مكانها، ولا توجد مضادة لأجل الإيمان، فلم يجز ارتفاعه بها كالصغائر، وأما معاصي الكافر فإنها توجد منه مضادة الإيمان لأن الكفر هو الذي يحرك عليها، ألا ترى أنه لا يعتقد فيها أنها معاصي، وإن الله تعالى وصفها فكانت كمحسنات المؤمن التي تكون إيماناً.
لأن أصل الإيمان هو الذي يحرك عليها، ألا ترى إنه يقطعها على أنها طاعات تقربه من الله تعالى.
فأما معاصي المسلم، فإن هواه يحركه عليها لا الكفر، فكانت كبائره من الوجه كصغائره، ولم يجز أن يرتفع بها الإيمان وبالله التوفيق.
وتدل على هذا حسنات الكافر لا تخرجه من الكفر، لأن الإيمان ليس هو يحركه عليها لأن التكريم وطلب الذكر وشبه ذلك مما لا يرجع في الجمله إلى اليدين، فكذلك سيئات المؤمن لا تخرجه من الإيمان، لأن الكفر ليس هو المحرك له عليها، لكن الهوى والشهوة، وبالله التوفيق.
وأما الجواب عن تشبيه الوعيد بالوعد، فهو أن العفو عن صاحب الكبيرة لا يوقع حلفاً في الوعيد، لأن الله - عز وجل - إذا قال: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} ، فما أخذ بوعيده مع هذا إلا ويصير ذلك الوعيد مقروناً بشرط المشبه، فيكون قوله عز وجل: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} ، فإنه قرن به الاستثناء.
فقيل: إلا أن يكون ممن سبقت له مشيئة الله تعالى بأنه يدخله الجنة، أو إلا أن يشفع له رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - ، أو يكون المعنى هذا جزاؤه، ولكنه قد لا يجزيه بل يعفو، فمن عفا عنه لم يلحق خبره من ذلك خلف والله أعلم.
وجواب آخر: هو أن خطاب الله تبارك وتعالى في القرآن عباده عما وقع بلغة العرب لأن الرسول - صلى الله عليه وسلّم - كان منهم ومن ظهرانيهم فلذلك خاطبهم بحسب عاداتهم عن حكم العادة فيما تتفق فيه عاداتهم، وعادة غيرهم.
ومعلوم من عادات الناس أجمعين أن وعيدهم يكون باتاً ووعيدهم معلقاً، فمن قال عنهم لغيره لأعطينك كذا، لم يقله على خيار، ومن قال: لأضربنك قاله على خيار.