قال صاحب الكشاف: (حطة) فعلة من الحط كالجلسة. وهي خبر مبتدأ محذوف، أي مسألتنا حطة، والأصل فيها النصب بمعنى: حط عنا ذنوبنا حطة، وإنما رفعت لتعطى معنى الثبات ..).
والمعنى: اذكروا يا بني إسرائيل - لتتعظوا وتعتبروا - وقت أن أمرنا أسلافكم بدخول بيت المقدس بعد خروجهم من التيه، وأبحنا لهم أن يأكلوا من خيراتها أكلا هنيئا ذا سعة وقلنا لهم:
ادخلوا من بابها راكعين شكرا الله على ما أنعم به عليكم من نعمة فتح الأرض المقدسة متوسلين إليه - سبحانه - بأن يحط عنكم ذنوبكم، فإن فعلتم ذلك العمل اليسير وقلتم هذا القول القليل غفرنا لكم ذنوبكم وكفرنا عنكم سيئاتكم، وزدنا المحسن منهم خيرا جزاء إحسانه، ولكنهم جحدوا نعم الله وخالفوا أوامره، فبدلوا بالقول الذي أمرهم الله به قولا آخر أتوا به من عند أنفسهم على وجه العناد والاستهزاء، فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون.
قال الإمام ابن كثير - رحمه الله -: (وهذا كان لما خرجوا من التيه بعد أربعين سنة مع يوشع بن نون - عليه السلام - وفتحها الله عليهم عشية جمعة، وقد حسبت لهم الشمس يومئذ قليلا
حتى أمكن الفتح، ولما فتحوها أمروا أن يدخلوا الباب (باب البلد) سجدا أي شكرا لله تعالى على ما أنعم به عليهم من الفتح والنصر ورد بلدهم عليهم وإنقاذهم من التيه والضلال).
وقوله تعالى: فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً فيه إشعار بكمال النعمة عليهم واتساعها وكثرتها. حيث أذن لهم في التمتع بثمرات القرية وأطعمتها من أي مكإن شاءوا.
وقوله تعالى: وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ إرشاد لهم إلى ما يجب عليهم نحو خالقهم من الشكر والخضوع، وتوجيههم إلى ما يعينهم على بلوغ غاياتهم. بأيسر الطرق وأسهل السبل، فكل ما كلفوا به أن يدخلوا من باب المدينة التي فتحها الله لهم خاضعين مخبتين وأن يضرعوا إليه بأن يحط عنهم آثامهم، ويمحو سيئاتهم.
وقوله تعالى: نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ بيان للثمرة التي تترتب على طاعتهم وخضوعهم لخالقهم، وإغراء لهم على الامتثال والشكر، - لو كانوا يعقلون - لأن غاية ما يتمناه العقلاء غفران الذنوب.