وَسَبَتْكَ حِيَنَ تَبَسَّمتْ ... بَيْنَ الأَرِيكَةِ والسِّتَارَهْ
بِقَوَامِهَا الحَسَنِ الَّذِي .. جَمَعَ المَدَادَةَ والجَهَارَةْ
فالجهرة في هذه الآية: فعلة من الجهر، وهو مصدر يراد به المفعول.
وقوله تعالى: {فَأَخَذَتكُمُ الصَّاعِقَةُ} يعني ما تصعقون منه، أي: تموتون، لأنه قال: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ} [البقرة: 56] .
وقال مقاتل: الصاعقة: الموت، ومضى الكلام في الصاعقة.
قال المفسرون: إن الله تعالى أمر موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، فاختار موسى سبعين رجلًا من خيارهم، وخرج بهم إلى طور سيناء، وسمعوا كلام الله، وكان موسى إذا كلمه ربه وقع على وجهه نور ساطع، لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، ويغشاه عمود من غمام.
فلما فرغ موسى وانكشف الغمام، قالوا له: لن نؤمن لك، أي: لن نصدقك، حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة، وهي نار جاءت من السماء فأحرقتهم جميعًا. {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} يريد نظر بعضهم إلى بعض عند نزول الصاعقة، قاله ابن زيد.
وإنما أخذتهم الصاعقة؛ لأنهم امتنعوا من الإيمان بموسى بعد ظهور معجزته حتى يريهم ربهم جهرة، والإيمان بالأنبياء واجب بعد ظهور معجزتهم، ولا يجوز لهم اقتراح المعجزات عليهم، فلهذا عاقبهم الله، ولما كان سؤال موسى إيمانًا منه وتصديقًا واشتياقًا لم يعاقب عليه، وهؤلاء سألوه شاكّين منكرين متعنتين فعوقبوا عليه.
وقال بعضهم: إن أصحاب موسى اعتقدوا إحالة الرؤية على الله فعلقوا إيمانهم على الرؤية: ومرادهم: لن نؤمن لك قط، كقوله: {حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: 40] ، فلهذا عاقبهم الله عليه. وهذه الآية تتضمن التوبيخ لهم على مخالفة الرسول عليه السلام مع قيام معجزته، كما خالف أسلافهم موسى مع ما أتى به من الآيات الباهرة، والتحذير لهم أن ينزل بهم كما نزل بأسلافهم].